ما وراء المشهد ... السيسي في كينيا… هل تعيد القاهرة صياغة معادلة النفوذ في أفريقيا؟
ما وراء المشهد
بقلم: دكتورة إيناس عمر الصاوي
مدير عام التبادل الثقافي والنشر الأجنبي والترجمة
في عالمٍ تتغير فيه خرائط النفوذ بسرعة غير مسبوقة
لم تعد الزيارات الرئاسية مجرد تحركات بروتوكولية
أو لقاءات دبلوماسية تقليدية، بل أصبحت رسائل سياسية تحمل في طياتها ملامح التوازنات القادمة.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى كينيا للمشاركة في القمة الأفريقية الفرنسية باعتبارها جزءًا من تحرك مصري أوسع لإعادة تموضع القاهرة داخل القارة الأفريقية في لحظة تشهد تنافسًا دوليًا متصاعدًا على النفوذ والموارد والممرات الاستراتيجية.
فالقرن الأفريقي لم يعد مجرد امتداد جغرافي لدول شرق القارة، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى نقطة ارتكاز رئيسية في حسابات الأمن الإقليمي والدولي، خاصة مع تصاعد أهمية البحر الأحمر، وتزايد التوترات المرتبطة بالملاحة الدولية والطاقة والصراعات الممتدة في محيط الإقليم.
وفي هذا السياق، تبدو كينيا لاعبًا أفريقيًا يتجاوز وزنه الجغرافي، بحكم موقعها السياسي والاقتصادي داخل شرق أفريقيا، فضلًا عن دورها المتنامي في ملفات الأمن والتنمية والاستثمار. ولذلك، فإن الحضور المصري في نيروبي يحمل دلالات تتجاوز المشاركة في قمة دولية ليعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية بناء شراكات أفريقية أكثر عمقًا وتوازنًا في المرحلة المقبلة.
كما أن القمة الأفريقية الفرنسية نفسها تعكس تحولًا مهمًا في طبيعة العلاقة بين أفريقيا والقوى الدولية. ففرنسا التي واجهت خلال السنوات الأخيرة تراجعًا واضحًا في نفوذها داخل بعض الدول الأفريقية، تحاول اليوم إعادة تقديم نفسها عبر خطاب يقوم على الشراكة الاقتصادية والتعاون التنموي بدلًا من الصورة التقليدية المرتبطة بالإرث الاستعماري والنفوذ العسكري.
لكن المشهد أصبح أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. فالقارة الأفريقية باتت ساحة مفتوحة لتحركات قوى متعددة؛ الصين تمد نفوذها عبر الاقتصاد والبنية التحتية، وروسيا توسع حضورها الأمني والعسكري، بينما تسعى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للحفاظ على مواقع التأثير التقليدية في مواجهة التحولات الدولية المتسارعة.
وسط هذه التوازنات، تتحرك مصر وفق رؤية مختلفة نسبيًا، تقوم على الربط بين الأمن القومي المصري والاستقرار الأفريقي، خاصة في ظل ارتباط ملفات مثل البحر الأحمر، ومياه النيل، وأمن الملاحة، والتطرف المسلح، بالأمن الاستراتيجي للدولة المصرية بصورة مباشرة.
ولعل ما يمنح التحرك المصري خصوصيته هو أنه لا يعتمد فقط على البعد السياسي، وإنما يرتبط أيضًا بأبعاد اقتصادية وتنموية ودبلوماسية وثقافية، في محاولة لبناء حضور طويل المدى داخل القارة قائم على المصالح المشتركة والتعاون المتبادل.
وفي هذا الإطار، تمثل العلاقات المصرية الكينية نموذجًا مهمًا لهذا التوجه، حيث شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في مجالات التعاون المتعلقة بالتجارة، والبنية التحتية والطاقة، والأمن، والتحول الرقمي، إلى جانب التنسيق السياسي داخل الأطر الأفريقية المختلفة.
لكن القراءة الأعمق للزيارة تتعلق بما يمكن وصفه
بمعركة النفوذ الهادئ داخل أفريقيا.
فالصراع لم يعد يعتمد فقط على القوة العسكرية
أو الضغوط السياسية بل أصبح قائمًا على القدرة على بناء الشراكات، وإدارة المصالح، والتأثير في اتجاهات التنمية والاستقرار داخل القارة.
كما أن أفريقيا نفسها لم تعد تقبل بدور المتلقي في العلاقات الدولية، بل باتت تسعى إلى تنويع شراكاتها وتحقيق قدر أكبر من الاستقلالية السياسية والاقتصادية وهو ما يفرض على القوى الدولية والإقليمية إعادة صياغة أساليب تعاملها مع القارة.
وفي هذا المناخ، تبدو زيارة السيسي إلى كينيا وكأنها تحمل رسالة واضحة مفادها أن القاهرة تدرك أن مستقبل النفوذ في الشرق الأوسط وأفريقيا أصبح مترابطًا بصورة غير مسبوقة، وأن الحفاظ على التوازنات الإقليمية يبدأ من فهم التحولات الجارية داخل القارة السمراء.
وربما لم يعد السؤال الحقيقي اليوم هو: من يملك النفوذ الأكبر في أفريقيا؟
بل: من يمتلك القدرة على بناء شراكات مستدامة وسط عالم يعيد تشكيل خرائط القوة والتحالفات؟
في السياسة الدولية، لا تتحرك الدول الكبرى نحو أفريقيا من باب المصادفة… بل لأنها تدرك أن معارك المستقبل قد تبدأ من هناك.


