أضواء على الاحتفاليات الخاصة بدخول العائلة المقدسة إلى مصر
كتب - د. عبد الرحيم ريحان
دراسة علمية جديدة للدكتورة نعيمة محمد إبراهيم المتخصصة فى التاريخ والآثار القبطية ترصد نشأة الأغاني المرتبطة بالقديسين وبدايتها باعتبارها الامتداد الطبيعي لما قام به المصريون من غناء يمدح السيدة العذراء مريم سواء في الأغاني المصرية الشعبية أو في الترانيم والمدائح الدينية في كل المناسبات، وكانت هذه الأغاني والترانيم تتناول جميع مراحل حياة السيدة مريم منذ بشرت بالمسيح وحملها به وولادته ورحلتها لمصر وحياتها حتى نياحتها أو رحيلها.
وتشير الدكتورة نعيمة محمد إبراهيم إلى أن الأغاني عرفت حول القديسين في مصر في العصر البيزنطي وشملت كافة الأحداث المرتبطة بهم وحياتهم وشفاعتهم ومعجزاتهم، وازدهرت خاصة في فترات الاحتفال أو الموالد المقامة لهؤلاء القديسين وأشارت بعض الأغاني إلى بعض الحوادث التاريخية مثل دخول العائلة المقدسة مصر وهي أغاني كانت تغنى دائمًا في سياق إحياء ذكرى مجيئهم إلى أرض مصر(24بشنس/1يونيو) وإقامتهم بها لمدة أربع سنوات إلا قليلًا جابت وباركت أرض مصر من الشمال إلى الجنوب. تلك الرحلة التي وردت نصوص عنها في العهد الجديد ونبؤات في العهد القديم، ووردت تفاصيل عن الرحلة في ميامر
( مقال/خطبة) آباء الكنيسة مثل ميامر البابا ثاؤفيلوس(385-412م) والبابا تيموثاؤس (458-480م) والأنبا قرياقوس(هرياقوص) أسقف البهنسا (القرن السابع) والأنبا زخارياس أسقف سخا( حوالى693-723م)
وتنوه الدكتورة نعيمة محمد إبراهيم إلى ورود ذكر الرحلة كذلك في الكتب الكنسية المسيحية والمصادر القبطية وجمعت في الكثير من المدائح عن العذراء في العديد من الكتب، ومن هذه الأغاني التي دلت على هذه الرحلة التاريخية أغنية مطلعها:
مين زينا يابختنا....العدرا زارت أرضنا
شايلة المسيح قولوا المديح...العدرا فخر جنسنا.
ومن الملاحظ أن الأماكن التي مرت بها العائلة المقدسة في مصر حفلت بمكانة كبيرة وأقيمت بها كنائس وأديرة أثرية منذ القرن الرابع الميلادي بتشجيع من الإمبراطورة هيلانة(250-327م) التي قامت برحلة حج إلى القدس والمواقع التاريخية المقدسة وقد شهدت هذه الأماكن عبر التاريخ الاحتفالات بذكرى قدوم العائلة المقدسة إلى هذا الدير أو هذه الكنيسة ومن ذلك دير العدرا بجبل درنكة غرب أسيوط حيث يقام احتفال كبير لإحياء ذكرى مجيء العذراء إلى هناك، ومن الأغاني التي تشير لهذا الحدث وينشدها الزوار:
على دير العدرا وديني... زاد فرحي والرب داعيني
أمدح فيك بصوت رنان...يا شفيعة يا أم الديان
تدعيني وأنا أجيلك فرحان...على دير العدرا وديني
أيا ريس وديني للعدرا... وأنا أديلك من ندري شمعة
توضعها في بيتكم بركة...على دير العدرا وديني
وأشارت الأغاني كذلك إلى بعض الطقوس المعروفة في ذلك الوقت مثل استخدام ماء البئر بالدير للتبرك والشفاء وكانت الأغنية التي تغنى بها الزوار:
سلبها حرير سقيتك يا عدرا سلبها حرير
سلبها حرير ياكل شربه منها دوا للعليل
سلبها سلاسل سقيتك يا عدرا سلبها سلاسل
سلبها سلاسل ياكل شربة منها دوا للمسافر
كذلك عرفت مصر في العصر البيزنطي تكريم القديسين والاحتفال بأعيادهم وزيارة أضرحتهم، فكلما اشتهر قديس وتناقلت الأخبار حدوث المعجزات عند ضريحه تدفق عليه الزوار وأقاموا له احتفالات كبيرة، وقد أتى الناس لهذه الأضرحة من كل مكان وقاموا بأداء الصلوات وإقامة القداسات وقراءة سير القديسين وتقديم النذور إلى جانب نحر الذبائح لإطعام الفقراء والمحتاجين إلى غير ذلك من مظاهر اجتماعية مختلفة مصاحبة لهذه الاحتفالات يهمنا منها هنا وجود العديد من المظاهر الترفيهية من غناء وموسيقى.
القديس مارمينا العجايبي:
توضح الدكتورة نعيمة محمد إبراهيم أن إقامة هؤلاء الزوار بجوار الأضرحة تمتد لأيام بل ربما شهر كامل في بعض الاحتفالات وكان من أشهر هؤلاء القديسين القديس مارمينا العجايبى الذي عاش أواخر القرن الثالث الميلادى، وأقيمت الاحتفالات الخاصة به في مزاره الذي تأسس في المكان الذي دفن فيه بمريوط وأصبح مزارًا عالميًّا في القرن الرابع الميلادي يأتى المسيحيون للحج إليه من كل أنحاء الإمبراطورية البيزنطية، وذلك لما اشتهر من كثرة المعجزات الشفائية التي حدثت عند ضريحه، وقد أنشد هؤلاء الزوار الكثير من الأغاني عن هذا القديس وسيرته ومعجزاته ومنها:
مارمينا يا عجايبى اسمك منقوش على قلبي
عاوز منك تشفع لي عند يسوع يغفر ذنبي
قطعوا بالسيف رقبته اتهلل بفرح وسرور
مين زيه في شجاعته مين زيه في أمانته
و أيضًا:
يا مارمينا العجايبى يابطل كل الشجعان
شفاعتك بتكون عجيبة وبتمحى كل الأحزان
يامارمينا العجايبى نلت تلات أكاليل
موجود دايما مع ربي بالفرحة والتهليل
القديسة دميانة:
حازت القديسة العفيفة دميانة، التي استشهدت في عهد الإمبراطور دقلديانوس(284- 305م)، بنصيب كبير من الأغاني التي روت قصة رهبنتها فى القصر الذي بناه لها والدها والي البرلس في أواخر القرن الثالث الميلادي لتتعبد فيه هي وأربعين عذراء أخرى. وتروي الأغاني قصة هذه القديسة واستشهادها نتيجة لرفضها التخلي عن عقيدتها المسيحية وإقناعها لوالدها بالرجوع إلى الديانة المسيحية مرة أخرى ومعارضة الوالى الوثني، ومن هذه الأغاني:
ست يا دميانة ياشهيدة يا طاهرة
اليوم جاينلك جاينلك في زيارة مباركة
جايين نزورك نتملى بنورك
عايزين شفاعتك ياستي شفاعتك ويانا
وعن سيرتها أنشدوا:
في قصر عالي فوق في البراري
ويا أربعين قديسة عيشتي فرحانة سهرانة بتصلي للرب تملى
جه عدو الخير يحاربك معركة خسرانة
أكملتى جهادك في يوم استشهادك روحتى لعريسك حبيبك بإكليل نورانى
نسألك أذكرينا عند فادينا لكى يتمم رحمة وحنانًا.
الأنبا شنودة الأشمندريت:
لم تنس الأغنية الشعبية الأنبا شنودة (333-452م) المعروف بالأشمندريت (رئيس المتوحدين) ورئيس الدير الأبيض بسوهاج الذي كان مصلحًا دينيًّا واجتماعيًّا، ولعب دورًا كبيرًا في الحياة الدينية والاجتماعية، وكان ديره مفتوحًا لخدمة الفقراء والمحتاجين، ودافع بشدة عن المظلومين وحقوقهم وهاجم الحكام البيزنطيين دون خوف، فضًلًا عن خطبه وعظاته بالقبطية التي تعد نموذجًا رائعًا للأدب القبطي باللهجة الصعيدية، ووضعت العديد من الأغاني حول زعامته وقداسته ومعجزاته ووصفته بـ (السبع) لما لهذه الكلمة من دلالة شعبية ترمز للقوة والبطولة:
سبع يا أبوشنودة ياعين الحمامة طل من الهيكل وقالى السلامة
سبع يا أبوشنودة ياعين الثرية طل من الهيكل وسلم عليا
سبع يا أبوشنودة يا عين الشهية مد يده اليمين ولطخ الغازية
ولا حد زيه سبع أبوشنودة ولا حد زيه
ولاحد زيه يا غزالة الجبل تعلت لضيه
ولا حد كيفه سبع أبوشنودة ولا حد كيفه
ولا حد كيفه ياغزالة الجبل تعلت لطيفه
ويمكن بسهولة ملاحظة احتواء مثل هذه الأغاني الشعبية على بعض الإشارات الجغرافية، وأيضًا تصويرها لطبيعة طريق الوصول لدير الأنبا شنودة ووعورته وكثرة منحنياته والذي لم يمنع الزوار من الذهاب إليه. وتشير الأغاني أيضًا إلى وسيلة المواصلات في ذلك الوقت(الجمال)، الأمر الذى
يدل على قدم هذه الأغنية:
طريق أبوشنودة ملفه ملفه وإن عطاني ربي لأروحله بزفة
طريق أبوشنودة ملفات ملفات وإن عطاني ربي لأروحله بزفات
قبتك يا أبوشنودة من البعد بانت لما شافتها الجمال هامت وزامت
ياعتبة ابوشنودة يا محلا عتبها افتحوا للزايرة تنصر ولدها
وتعبر الأغاني عن رد فعل هؤلاء الزائرين وفرحتهم بالوصول لهذا المكان الذي يعتبروه نفيسًا مثل الياقوت:
عتبها حجارة بيعتك (كنيستك) ياجدى عتبها حجارة
عتبها حجارة تفتحه الزايرة بسن السوارة
عتبها ياقوتى تفتحه الزايرة بسن العقود
ياعتبة بلوحة بابك يا شهيد ياعتبة بلوحة
ياعتبة بلوحة فرحتك ياقلبى نهار ماتروحة.
ولفتت الدكتورة نعيمة محمد إبراهيم إلى أن الأغنية الشعبية أفادت فى تصوير الأثر نفسه، والذي نستدل منها على بناء الدير وشكل عمارته وفخامتها هي وكنيسته التي تحدثت عنها المصادر، وهي الكنيسة التي أنفق شنودة أموالًا ضخمة في إقامتها وجلب لها العمال والنحاتين والنجارين والصناع من كل مكان، وزينها بأعمدة من المعابد الرومانية، وأنفق الكثير على زخرفتها من الخارج وتزويدها بوسائل الإضاءة. وظلت الأغاني شاهدًا يصور لنا بناء وفخامة الدير والكنيسة:
طوبة على طوبة مين بناك يادي الدير طوبة على طوبة
طوبة على طوبة دا بناني البنا بناية عجوبة
قالب على قالب مين بناك يادي الدير قالب على قالب
قالب على قالب دا بنانى البنا بناية عجايب
حط الحديدى مين بناك يادي الدير حط الحديدي
حط الحديدي دا بنوني الملوك وعلو صليبى
وشال الحجارة مين بناك يا شهيد وشال الحجارة
وشال الحجارة دا بنوني الملوك وناس الزيارة
مين شال مية مين بناك يا شهيد مين شال المية
مين شال مية دا بنوني الملوك لمحي الخطية
مين شال طوب مين بناك ياشهيد مين شال طوب
مين شال طوب دا بنوني الملوك لمحي الذنوب
بنوني جدودي مين بناك ياجدي بنوني جدودي
بنوني جدودي وسع المدارة وعلو عمودي
بنوني خوالي مين بناك يا جدي بنوني خوالي
بنوني خوالي وسع المدارة وعلو مقامي
عواميد رفيعة مين بناك ياجدى عواميد رفيعة
عواميد رفيعة كل من راح زاره مازاح الوجيعة
عواميد رفايع من بناك يا جدي عواميد رفايع
عواميد رفايع كل من راح زاره مازاح الوجايع.
كذلك صورت لنا الأغاني بعض الطقوس التي تحدث في ضريح القديس أو القديسة كتعميد الأطفال في حوض المعمودية بكنيسة القديس، ومايقدم أيضًا من نذور للقديس أو ينذره الشخص إذا حقق القديس مطلبه ومن ذلك:
لأغني وأغني وإن عطاني ربي لأغني وأغني
لأغني وأغني وأفرشك يا شهيد محارم بتلي
لأغني وأقول وإن عطاني ربي لأغني وأقول
لأغني وأقول وأفرشك يا شهيد محارم بلولي
لأغني وأظاظي وإن عطاني ربي لأغني واظاظي
لأغني وأظاظي وأفرشك يا شهيد محارم حجازي.
وأحيانًا كان يؤخذ جزء من الأغنية ويحول كهتاف خاصة في الزفة بأيقونة القديس في الاحتفال مثل:
أنبا شنودة يا مليح يالي زارك المسيح
حط الكفة على الميزان... وأبوشنودة هو الكسبان
حط الكفة على الصينية... أنبا شنودة نورلي عنيا
نورك بان... على الصلبان
أبوشنودة هو هو... والمسيح إداه القوة
لقد ظلت هذه الأغاني ومثيلاتها تغنى عبر العصور، ولم يخل العصر الحديث من الكثير من المدائح والأغانى للسيدة العذراء والمسيح والقديسين حتى أن بعض كبار المغنين المصريين والعرب شاركوا فيها، ومما يمكن التمثيل به على ذلك أغنية العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ عن المسيح وما واجهه من تعذيب وآلام، وكذلك أغاني جارة القمر فيروز عن مريم والمسيح.
مما سبق يتضح لنا كيف صورت الأغاني القبطية الشعبية العديد من الأحداث وحياة القديسين في مصر في العصر البيزنطي لتضيف رافد جديد وقريب من الناس يكشف عن حياة المجتمع وسيرة وتاريخ أعضائه في مصر القبطية.


