recent
أخبار ساخنة

النخلة التي صمدت في وجه النار والريح.. حكاية فخر ورفق في زمن الانكسار

النخلة التي صمدت في وجه النار والريح.. حكاية فخر ورفق في زمن الانكسار



كتبت : منى منصور السيد

في مدينة الإسكندرية، حيث يبتلع البحر الأسرار ولا يبوح بها، ويقف شاهدًا على صراعات البشر، عاشت بسنت حياة لم تشبه نزهات الكورنيش، بل كانت كأمواج عاتية تارةً تلطمها الصخور، وتارةً تعلو فوقها بشموخ.

لم تكن بسنت مجرد فتاة، بل كانت «جيشًا من امرأة واحدة»، تخوض معاركها بقلب جسور وجسد أنهكه التعب. قصة مليئة بالثبات، تدعونا للتوقف والتأمل في معنى القوة الحقيقية التي نراها في ملامح من نحب.

بدأت حكايتها بكسرة كبرى، حين رحل والدها، السند والعمود الفقري، في لحظة ظن كثيرون أنها ستكون نهاية رحلتها. لكنها، في تلك اللحظة، اتخذت قرارًا ألا تنحني أبدًا. وكان أول تجلٍ لهذا القرار، وقفتها الصلبة في جلسة عرفية وسط 70 رجلًا، بصوت ثابت لا يرتجف، تدافع عن حقها بشجاعة لافتة، مؤكدة أن عزة الله وقوته سكنت قلبها. وهنا يظهر الدرس الأول: القوة لا تُقاس بالكلمات بل بالثبات في وجه العواصف.

لم يكن حصولها على الليسانس مجرد شهادة جامعية، بل كان معركة خاضتها وانتزعتها في الثلاثين من عمرها. بيدٍ تحمل الكتب، وبالأخرى تمسح دموع ابنتيها، وتدبر مصاريف الحياة من حضانات وإيجارات ودراسة. لم يكن أحد يدرك حجم تضحياتها؛ فقد كانت تحرم نفسها من أبسط حقوقها لتصنع مستقبلًا لابنتيها، اللتين كانتا محور عالمها. وهنا تتحول الحكاية إلى رسالة لكل «نخلة» صامدة: تعبك مرئي، وكفاحك مقدّس، لكن لا تنسي أن لنفسك عليك حقًا.

وعندما احترق منزلها وتحول كل ما تملكه إلى رماد، لم تقف على الأطلال، بل واجهت الحطام بقلب مؤمن ولسان يردد: «قدر الله وما شاء فعل»، وأعادت بناء حياتها من جديد، بل أفضل مما كانت. ورغم هذا الثبات، كانت تواجه آلامها في صمت، داخل غرف المستشفيات، تعاني من وعكات صحية لا يعلم بها أحد، ثم تعود لتقاوم قسوة القريب والغريب، وتتصدى لمحاولات سلب حقوقها.

رأت بسنت نفسها كالنخلة؛ مهما عصفت بها الرياح، يظل جذرها ثابتًا في الأرض، تستمد قوتها من إيمانها بالله. 

ومن قصتها نتعلم درسًا عميقًا: أن من يبدو قويًا قد يكون أكثر من يحتاج إلى الدعم والاحتواء.

في أيامها الأخيرة، حملت كلماتها مرارة موجعة. 

كتبت منشورها الأخير وكأنه رسالة فخر ووداع:

«أنا هفضل فخورة جدًا بنفسي مهما حصل.. وقصتي هفضل أحكيها، وانتوا احكوا عني لولادي».

كانت ترى أنها أنجزت ما عجز عنه كثيرون، وأن عزتها لا تُقهر. لكن يبدو أن قلبها، الذي صمد أمام الحرائق والديون والخذلان، قد استنزفته المعارك الطويلة.

اختارت بسنت أن تنهي رحلتها، لا لأنها انكسرت، بل ربما لأن روحها أنهكها البحث عن الإنصاف، فاشتاقت لعدل ورحمة لا يجدها الإنسان إلا عند رب العباد.

تبقى قصتها دعوة صادقة إلى «لين القلوب»، وإلى أن نكون أكثر رحمة ببعضنا البعض. فخلف كل وجه صامد حكاية ألم قد لا نحتملها.

رحم الله بسنت، وجعل كفاحها شاهدًا لها لا عليها.

google-playkhamsatmostaqltradentX