عندما تتحول الحرب إلى كارثة بيئية: كيف يهدد الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران المناخ والاستدامة
متابعة : نجلاء يعقوب
يشهد العالم لحظة فارقة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن الجيوسياسي مع التحديات البيئية والمناخية على نحو غير مسبوق. وفي ضوء التطورات الأخيرة المتمثلة في الهجوم الذي نفذته الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، يبرز سؤال جوهري يتعلق بالأثر البيئي والمناخي لمثل هذا التصعيد العسكري في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم حساسية مناخيًا، واعتمادًا على البنية التحتية للطاقة الأحفورية.
ومن موقعي كخبير دولي في الاستدامة والمناخ، أؤكد أن أي عملية عسكرية واسعة النطاق في بيئة صناعية ونفطية معقدة لا يمكن النظر إليها بمعزل عن تداعياتها البيئية المباشرة وغير المباشرة، ولا عن انعكاساتها على مسار العمل المناخي العالمي.
تعتمد العمليات العسكرية الحديثة على منظومات عالية الاستهلاك للطاقة، تشمل الطائرات المقاتلة بعيدة المدى، وحاملات الطائرات، والصواريخ الموجهة، والمركبات البرية الثقيلة. وجميعها تستخدم كميات ضخمة من الوقود الأحفوري خلال فترات زمنية قصيرة. إن احتراق وقود الطيران وحده ينتج، في الطلعة الواحدة، أطنانًا من ثاني أكسيد الكربون، فضلًا عن أكاسيد النيتروجين والجسيمات الدقيقة. ومع تكرار الطلعات على مدى أيام أو أسابيع، تتراكم الانبعاثات بصورة مفاجئة ومركزة، ما يمثل صدمة بيئية آنية تؤثر في جودة الهواء وصحة السكان في المناطق المستهدفة.
وعند استهداف منشآت النفط والغاز أو المصافي أو خزانات الوقود، يتضاعف حجم المشكلة. فاحتراق المواد الهيدروكربونية في بيئة مفتوحة يؤدي إلى إطلاق كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون، والكربون الأسود، والمركبات العضوية المتطايرة. ويتميز الكربون الأسود بقدرته العالية على امتصاص الإشعاع الشمسي، ما يسهم في رفع درجات الحرارة محليًا ويؤثر في التوازن الإشعاعي. وفي منطقة ترتفع فيها درجات الحرارة إلى مستويات قياسية خلال الصيف، فإن أي زيادة إضافية في الحمل الحراري قد تضاعف المخاطر الصحية، وترفع الطلب على الطاقة لأغراض التبريد، لتنشأ حلقة متشابكة من التأثيرات المناخية.
ولا يقتصر الأثر البيئي على الهواء وحده؛ إذ قد يؤدي القصف الذي يطال البنية التحتية الصناعية إلى تسرب مواد كيميائية ونفطية إلى التربة والمياه الجوفية. وهذه الملوثات قد تبقى في البيئة لسنوات طويلة، وتنتقل عبر السلسلة الغذائية، مهددةً الأمن الغذائي والصحي للسكان. كما أن المعادن الثقيلة الناتجة عن الذخائر والمتفجرات قد تؤثر في خصوبة التربة، وتقلل الإنتاج الزراعي، وتزيد من تكاليف المعالجة البيئية لاحقًا. وفي بيئة تعاني أصلًا من ندرة المياه، يمثل أي تلوث إضافي للمصادر المائية تحديًا استراتيجيًا يتجاوز الأبعاد المحلية.
ومن منظور مناخي أوسع، قد يؤدي التصعيد العسكري في منطقة ذات ثقل نفطي عالمي إلى اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع الأسعار، وربما إعادة ترتيب أولويات بعض الدول في مزيج الطاقة لديها. وفي أزمات سابقة، لجأت بعض الدول إلى العودة المؤقتة لاستخدام الفحم أو الوقود الثقيل لتعويض نقص الإمدادات، ما يعني زيادة إضافية في الانبعاثات العالمية. مثل هذه التحولات، حتى وإن كانت مؤقتة، قد تؤخر تحقيق الالتزامات الدولية المنصوص عليها في اتفاقية باريس للمناخ، وتؤثر في الجداول الزمنية للحياد الكربوني التي أعلنتها العديد من الدول.
كما ينبغي النظر إلى التأثير التراكمي لإعادة الإعمار؛ فالبنية التحتية التي تتعرض للتدمير تحتاج إلى إعادة بناء، وهي عملية تستهلك كميات كبيرة من الأسمنت والصلب والطاقة، وهي قطاعات معروفة بكثافة انبعاثاتها. وبذلك، فإن الأثر المناخي للحرب لا ينتهي بانتهاء العمليات العسكرية، بل يمتد إلى مرحلة ما بعد النزاع، حيث تتضاعف الانبعاثات نتيجة أنشطة إعادة التأهيل والبناء. ومن هنا تبرز أهمية تبني مفهوم “إعادة الإعمار منخفضة الكربون” ضمن أي استراتيجية مستقبلية.
البعد الإقليمي كذلك حاضر بقوة؛ فحركة الرياح والتيارات الهوائية قد تنقل الجسيمات الدقيقة والملوثات إلى دول الجوار، ما يجعل التأثير عابرًا للحدود. وهذا يطرح مسألة المسؤولية البيئية المشتركة، والحاجة إلى تعاون إقليمي لرصد جودة الهواء والمياه وتبادل البيانات البيئية في أوقات الأزمات. فالبيئة لا تعترف بالحدود السياسية، وأي تدهور في منطقة ما قد ينعكس سريعًا على مناطق أخرى.
ومن الناحية الصحية، ترتبط زيادة الجسيمات الدقيقة وأكاسيد النيتروجين بارتفاع معدلات أمراض الجهاز التنفسي وأمراض القلب والأوعية الدموية. وفي مناطق النزاع، حيث تتعرض الأنظمة الصحية لضغوط هائلة، قد يؤدي التلوث الإضافي إلى مضاعفة العبء على المستشفيات ومرافق الرعاية الصحية، ما يضفي بعدًا إنسانيًا ملحًا على القضية البيئية.
استراتيجيًا، أصبح من الضروري إدراج الانبعاثات العسكرية ضمن منظومات القياس والإبلاغ الوطنية للانبعاثات، تعزيزًا للشفافية والمساءلة. ورغم حساسية هذه البيانات لدى بعض الدول لأسباب أمنية، فإن التحدي المناخي العالمي يتطلب شمولية في القياس لا تستثني أي قطاع. فتحقيق الحياد الكربوني لا يمكن أن يتم بانتقائية، بل باحتساب جميع المصادر، بما فيها الأنشطة الدفاعية.
إن الربط بين الأمن القومي والأمن المناخي لم يعد خيارًا نظريًا، بل ضرورة عملية. فالنزاعات المسلحة في عصر تغير المناخ قد تضاعف هشاشة الدول، ليس فقط بسبب الدمار المادي، بل نتيجة تدهور الموارد الطبيعية التي يعتمد عليها الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وعندما تتزايد الضغوط البيئية، تتراجع قدرة الدول على التعافي، ما قد يخلق دوائر جديدة من عدم الاستقرار.
وعليه، فإن إدماج البعد البيئي في مفاوضات وقف إطلاق النار، وفي أي ترتيبات مستقبلية، أمر حيوي. كما ينبغي حماية المنشآت البيئية الحساسة ومحطات معالجة المياه ومنشآت الطاقة ذات المخاطر العالية، ليس فقط لأسباب إنسانية، بل لأسباب مناخية أيضًا. ويجب كذلك تطوير آليات دولية سريعة لتقييم الأضرار البيئية فور وقوعها، والاستفادة من تقنيات الاستشعار عن بُعد والأقمار الصناعية لرصد الحرائق والانبعاثات في الوقت الفعلي.
يقف العالم اليوم أمام مفارقة واضحة: تتزايد الجهود الدولية لتسريع التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون، وفي المقابل تندلع نزاعات ترفع الانبعاثات وتدمر البنية التحتية وتؤخر مسار الاستدامة. هذه المفارقة تستدعي إعادة التفكير في مفهوم الأمن الشامل، بحيث يشمل الأمن البيئي والمناخي باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الأمن الوطني والدولي.
وفي ضوء ما سبق، فإن الهجوم العسكري على إيران لا يمكن تقييمه من زاوية عسكرية أو سياسية فحسب، بل يجب النظر إليه أيضًا كحدث بيئي ذي أبعاد إقليمية وعالمية. فالأثر المباشر يتمثل في الانبعاثات والتلوث، والأثر غير المباشر في اضطراب أسواق الطاقة وتأخير التحول المناخي، أما الأثر طويل الأجل فيتجسد في تكاليف إعادة الإعمار وتدهور الموارد الطبيعية.
إن معالجة هذه التحديات تتطلب تعاونًا دوليًا حقيقيًا، ورؤية استراتيجية تعترف بأن الاستدامة ليست مسألة بيئية فحسب، بل ركيزة أساسية للاستقرار والسلام، وضمان مستقبل آمن ومستدام للأجيال القادمة.
