recent
أخبار ساخنة

الزوجة هى الشقّ الأنثوي من التوازن الكوني المقدس في تاريخ مصر القديمة

 الزوجة هى الشقّ الأنثوي من التوازن الكوني المقدس في تاريخ مصر القديمة




كتب د. عبد الرحيم ريحان


في قلب الحضارة المصرية القديمة لم تكن الزوجة مجرد نصف المجتمع بل كانت القلب النابض للأسرة والعمود الفقري للحياة اليومية والدينية والاقتصادية فقد تجلّت عبقرية الزوجة المصرية القديمة في أدوار متعددة لعبتها بوعي ومسؤولية وأظهرت من خلالها مكانتها الرفيعة التي أقرّتها الأعراف والقوانين والمعتقدات. ولم تكن هذه المكانة وليدة مجاملة اجتماعية أو ترف فكري بل نتيجة لتراكم تاريخي من الإسهامات الحقيقية والدور المحوري الذي قامت به المرأة كزوجة وأمًّا مدبرة وصاحبة عقل ورأي في شؤون الحياة.


بهذه المقدمة بدأ الدكتور قاسم زكى أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة بجامعة المنيا وعضو اتحاد كتاب مصر حديثه عن مكانة الزوجة في مصر القديمة


 


شريكة حياة


يشير الدكتور قاسم زكى إلى أن المصري القديم لم ينظر إلى الزوجة كعنصر تابع للزوج بل كانت شريكة حقيقية في بناء الأسرة يصفها في بردياته ونقوشه بـ”سيدة البيت” و”نور المنزل” و”من تبتهج بها الروح” الزواج في مصر القديمة كان مؤسسًا على مبدأ المودة والرحمة كما عكست ذلك وصايا الحكماء ومنها وصية الحكيم “بتاح حتب” التي يقول فيها:


“إذا كنت حكيمًا فاعتنِ بزوجتك واملأ بطنها واكسها وامنحها البهجة ما استطعت فإنها حقلٌ خصب لك.”


 


حقوق الزوجة


يوضح الدكتور قاسم زكى أبرز مظاهر عبقرية النظام الأسري في مصر القديمة وهو الاعتراف القانوني الصريح بحقوق الزوجة فقد كان لها الحق في الملكية المستقلة والاحتفاظ بمهرها وإبرام العقود بل وكانت قادرة على رفع دعوى طلاق أو المطالبة بحقوقها كاملة إذا أُهينت أو خُدع


تضمنت عقود الزواج بنودًا دقيقة تضمن للزوجة الحماية من التعدي وتنصّ على التزامات مادية ومعنوية من الزوج ولم تكن هذه العقود شكلية بل لها قوة قانونية تامة في المحاكم.


كانت الزوجة العقل المدبر لموارد المنزل تدير شؤون الغذاء والميزانية وتُشرف على تعليم الأبناء وتشارك أحيانًا في الحرف اليدوية والتجارة وقد احتفظت برديات بتفاصيل دقيقة عن قيام المرأة بدور مركزي في الصناعات المنزلية مثل غزل النسيج وصناعة الزيوت والعطور مما وفر دخلًا إضافيًا للأسرة، وفي بعض الحالات كانت الزوجة تتولى إدارة أملاك زوجها إذا غاب أو مرض وهو ما يدل على الثقة والاعتماد عليها في المواقف الحرجة.


 


دور روحي وديني


ينوه الدكتور قاسم زكى إلى أن الزوجة في مصر القديمة لم تكن فقط رفيقة حياة بل كانت تمثل الشقّ الأنثوي من التوازن الكوني المقدس مثل الإلهة “إيزيس” التي أصبحت رمزًا للوفاء الزوجي والتضحية وقد لعبت الزوجة دورًا دينيًا داخل البيت حيث تُشرف على الطقوس الأسرية الصغيرة وتُعدّ الطعام المقدم للأجداد وتعلم الأبناء احترام الأرواح وطقوس التطهير.


هناك أدلة دامغة على العاطفة والاحترام المتبادل بين الزوجين فنقوش المقابر تزخر بعبارات الحب والمديح مثل ما كُتب على جدران مقبرة “خا وزوجته مريت”


“أحبك كما أحب الحياة، فأنت نسيم قلبي ومصدر سعادتي” هذا النموذج ليس استثناءً بل شائع ويدل على ثقافة تثمّن الارتباط العاطفي الصادق بين الزوجين.


في حالات الفقر أو فقدان الزوج كانت المرأة تقوم بدور البطولة في الحفاظ على كيان الأسرة وتُظهر بعض السجلات أن النساء كن يعملن كمزارعات وكاهنات وكاتبات وأحيانًا حاميات للعائلة بأكملها هذا الأداء الصلب يعكس عبقرية تكيف الزوجة المصرية القديمة مع ظروف الحياة دون أن تتنازل عن كرامتها أو شرفها.


وبالتالي فإن المنظومة الفكرية في مصر القديمة لم تبنَ على صراع بين الجنسين بل على التكامل والاحترام لم يكن الرجل هو السيد المطلق ولا المرأة تابعًا بلا رأي بل كان لكلٍّ منهما دورٌ يكمّل الآخر في منظومة دقيقة من الأدوار المتبادلة والحقوق المتساوية نسبيًا مقارنةً بزمنها ولعل ذلك ما جعل الحضارة المصرية من أكثر حضارات العالم القديم احترامًا للمرأة كزوجة وركن أساسي في بنيان المجتمع.


إن عبقرية الزوجة في مصر القديمة ليست مجرد ظاهرة أسرية بل ركيزة من ركائز استقرار المجتمع وأحد أسباب تماسك الحضارة المصرية القديمة عبر آلاف السنين فقد وفرت هذه العبقرية بيئةً مستقرةً لتنشئة الأطفال وتوازنًا نفسيًا للزوج وسندًا اقتصاديًا وروحيًا للأسرة فكانت الزوجة في دورها نموذجًا للذكاء الاجتماعي والحنكة الأسرية والولاء الإنساني وهي جوانب تُلهمنا حتى اليوم.

google-playkhamsatmostaqltradentX