كتب : محمود فوزي
نعيش اليوم زمنًا اختلطت فيه المفاهيم، وتراجعت فيه القيم والمبادئ، وأصبحت الأخلاق واحترام الصغير للكبير من الأمور التي نفتقدها كثيرًا في حياتنا اليومية. فلم يعد الاحترام كما كان، ولم تعد الكلمة الطيبة والمروءة وحسن التعامل هي الأسس التي تجمع الناس.
قديمًا، كانت هناك أصول وتربية ومبادئ لا يمكن تجاوزها؛ كان للصغير احترامه، وللكبير قدره، وللجار حقه، وللكلمة قيمتها. وكان الإنسان يُعرف بأخلاقه ومواقفه، لا بما يمتلكه من مال أو بما يُظهره أمام الناس.
أما اليوم، فأصبحنا لا ندري ممَّ نخاف أكثر؛ من البلاء أم الغباء أم الغلاء؟! فقد أصبحنا نواجه أزمات عديدة، لا تقتصر على المعيشة والاقتصاد فحسب، وإنما تمتد أيضًا إلى الأخلاق والسلوك وطريقة التعامل بين البشر.
لقد أصبح العالم مفتوحًا على مصراعيه من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبحت مختلف الأفكار والسلوكيات متاحة أمام الجميع، دون رقابة حقيقية من الأسرة أو وعي كافٍ لدى بعض المستخدمين. ولا ننكر أن هذه الوسائل تحمل الكثير من الإيجابيات، لكنها في الوقت نفسه تحولت لدى البعض إلى ساحة لنشر الإساءة والتطاول والتنمر، والتفاخر بما لا يستحق الفخر
حتى أصبح البعض يخلط بين الحرية وانعدام الأخلاق.
إن المشكلة ليست في تطور الزمن أو التكنولوجيا، وإنما في غياب الوعي والتربية وتحمل المسؤولية. فالتقدم الحقيقي لا يُقاس بما نمتلكه من أجهزة ووسائل اتصال، بل بما نتمسك به من قيم ومبادئ.
وقد قال الله تعالى:
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
لذلك، علينا أن نراجع أنفسنا قبل أن نلقي باللوم على الآخرين، وأن ندرك أن صلاح المجتمع يبدأ من صلاح الفرد والأسرة، وأن التربية ليست مجرد كلمات تُقال، وإنما سلوك يُمارس وقدوة يراها الأبناء في بيوتهم ومجتمعهم.
لسنا ضد التطور، ولا نطالب بالعودة إلى الماضي بكل تفاصيله ولكننا نريد أن نأخذ من الحاضر تقدمه، ومن الماضي أصالته وأخلاقه؛ فليس هناك تعارض بين التقدم والتمسك بالقيم، ولا بين مواكبة العصر والحفاظ على المبادئ.
فما قيمة العلم بلا أخلاق؟ وما قيمة المال بلا ضمير؟ وما قيمة الحرية إذا تحولت إلى إساءة للآخرين؟
إن المجتمعات لا تنهار فقط عندما تضيق بها سبل المعيشة، بل تنهار أيضًا عندما تفقد احترامها لبعضها بعضًا، وعندما يصبح الخطأ أمرًا عاديًا، وتصبح الفضيلة شيئًا نادرًا.
عودوا إلى الأخلاق، وتمسكوا بالمبادئ، وعلّموا أبناءكم أن الاحترام ليس ضعفًا، وأن الأدب ليس تخلفًا، وأن الإنسان مهما علا شأنه لا تكتمل قيمته إلا بأخلاقه.
فالأخلاق ليست مظهرًا نتحلى به أمام الناس، بل جوهر يكشف حقيقة الإنسان، والمبادئ ليست كلمات نتغنى بها، بل مواقف تثبت معدن أصحابها.
ويبقى السؤال: إذا فقدنا القيم والمبادئ، فماذا يتبقى لنا؟ وإلى أين نمضي؟
