recent
أخبار ساخنة

الكاتب عماد الدين محمد | يكتب | حين تنقلب الموازين ... زمن اختلاط القيم وسقوط الأقنعة





   يوميات شاعر


بقلم : عماد الدين محمد 

نعيش اليوم زمنًا اختلطت فيه المفاهيم، وتبدلت فيه المعايير، وأصبحنا أمام مشاهد وسلوكيات تثير الكثير من علامات الاستفهام حول ما وصل إليه حال المجتمع من تراجع في منظومة القيم والأخلاق.
في زمن أصبح فيه التعري إطلالة والانحلال تحررًا وبيعت فيه الكرامة والشرف من أجل المال والشهرة وحصد المشاهدات. 
زمن بات فيه البعض مستعدًا للتنازل عن مبادئه وهويته وخصوصيته مقابل حفنة من المال أو لحظات من الشهرة الزائفة.
لقد أصبحنا نشاهد نماذج تتخلى عن المسؤولية الأسرية وتفرط في واجباتها تجاه الزوجة والأبناء وكأن مفهوم الرجولة والقوامة قد اختُزل في المظهر أو الكلمات، بينما غابت معاني الاحتواء والإنفاق وتحمل المسؤولية وحماية الأسرة.
والأكثر إيلامًا أن بعض المشاهد التي تُعرض على منصات التواصل الاجتماعي تجاوزت حدود المقبول، حتى أصبحنا نرى من يقبل الإهانة والسخرية والاعتداء اللفظي أو الجسدي أمام الكاميرات، بل ويحوّل كرامته إلى مادة للترفيه، كل ذلك من أجل الترند وتحقيق الأرباح.
كما أصبحنا أمام ظاهرة مقلقة تتمثل في تراجع القدوة الحقيقية وصعود نماذج لا تمتلك من العلم أو الخبرة ما يؤهلها لتوجيه المجتمع، لكنها تتصدر المشهد بالنصح والفتوى وإصدار الأحكام. 
وكأن الشهرة أصبحت بديلًا عن العلم وعدد المتابعين أصبح مقياسًا للحكمة والوعي.
وقد صدق في هذا المقام قول رسول الله صل الله عليه وسلم : سيأتي على الناس سنوات خداعات، يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة.
إنها أزمة وعي قبل أن تكون أزمة أخلاق وأزمة تربية قبل أن تكون أزمة سلوك. فقد أصبحت التفاهة في بعض الأحيان مصدرًا للثراء وأصبح المحتوى الهابط أكثر انتشارًا من الكلمة الهادفة، بينما يتراجع أصحاب الفكر والعلم أمام ضجيج الشهرة والاستعراض.
ولا يعني ذلك أن المجتمع بأكمله قد فقد قيمه، فما زالت هناك أسر تحافظ على أخلاقها ورجال يتحملون مسؤولياتهم ونساء يصنّ كرامتهن وشباب يتمسكون بدينهم ومبادئهم. 
لكن الخطر الحقيقي يكمن في تطبيع السلوكيات المنحرفة وتقديمها باعتبارها أمرًا عاديًا، بل والترويج لها باعتبارها نموذجًا للنجاح والتحرر.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات ليس انتشار الخطأ فحسب وإنما أن يصبح الخطأ مألوفًا وأن يُنظر إلى الاستقامة باعتبارها تخلفًا وإلى الحياء باعتباره ضعفًا وإلى الالتزام باعتباره قيدًا، بينما يُسوَّق الانحلال تحت شعارات الحرية والتطور.
إن الحرية لا تعني التخلي عن الأخلاق والرجولة ليست تسلطًا والقوامة ليست استبدادًا والكرامة ليست سلعة والمرأة ليست خصمًا للرجل، بل الأسرة شراكة ومسؤولية ومودة ورحمة.
نحن بحاجة إلى وقفة جادة، تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية، لإعادة الاعتبار للقيم الحقيقية وترسيخ ثقافة المسؤولية والاحترام والتأكيد على أن الشهرة ليست إنجازًا إذا كان ثمنها سقوط الكرامة وأن المال ليس نجاحًا إذا جاء على حساب المبادئ.
فليس كل ما يحقق المشاهدات يستحق الاحترام وليس كل ما ينتشر يستحق التقليد وليس كل من تصدر المشهد أصبح قدوة.
ستظل الأخلاق هي أساس بناء المجتمعات وسيظل الحق حقًا مهما قلّ أنصاره وسيظل الباطل باطلًا مهما ارتفعت أصوات المصفقين له.
فهل آن الأوان أن نراجع أنفسنا ونعيد ترتيب أولوياتنا قبل أن يأتي يوم تصبح فيه القيم غريبة في أوطانها؟

google-playkhamsatmostaqltradentX