كتب: محمد أبو سيف
لم تعد القضية المشتعلة حول نادي مانشستر سيتي مجرد ملف تقليدي لمخالفة قواعد لوائح اللعب المالي النظيف، بل تحولت إلى نقطة تحول مفصلية تهدد بإعادة هندسة النموذج الاقتصادي والمالي بالكامل لأغنى مسابقة كرة قدم على كوكب الأرض.
مفارقة أرقام البريميرليغ.. إيرادات قياسية وخسائر متتالية
تشير الأرقام المالية الأخيرة إلى مفارقة صارخة يعيشها الدوري الإنجليزي الممتاز؛ فبينما حلقت الأندية الإنجليزية بإيرادات مجمعة غير مسبوقة بلغت 6.8 مليارات إسترليني، واصلت تسجيل خسائر إجمالية فادحة قبل الضرائب لـ 5 مواسم متتالية.
هذه الفجوة بين الضخ الهائل للأموال وبين نزيف الخسائر دفعت المستثمر الأمريكي –الذي يفرض نفوذاً متزايداً داخل أندية المسابقة– إلى دق ناقوس الخطر، ملوحاً بنموذج مختلف يعتمد على:
- قيود إنفاق أقوى وضوابط صارمة للرواتب.
- تكاليف أكثر انضباطاً واستقراراً تشغيلياً.
- تحويل نسبة أكبر من الإيرادات إلى أرباح صافية على غرار نماذج الإدارة الرياضية في الرياضات الأمريكية (مثل «نظام سقف الأجور» وفرض الانضباط المالي الصارم).
تداعيات إدانة السيتي وصراع الاستئناف
تأتي التطورات القانونية الأخيرة وإدانة النادي من قبل لجنة مستقلة بانتهاكات جسيمة واستخدام عقود تجارية "صورية" لتضخيم الإيرادات على مدار 9 مواسم لتوجيه رسالة قوية بأن عصر "الإنفاق المفتوح" يضيق تدريجياً.
وفي المقابل، تحركت إدارة مانشستر سيتي سريعاً للتقدم بطعن رسمي واستئناف ضد القرار، واصفة إياه بأنه يحتوي على أخطاء جوهرية، وسط ترقب واسع للعقوبات المحتملة التي قد تتراوح بين خصم النقاط الهائل أو حتى التهديد بالهبوط، فضلاً عن تلويح أندية منافسة بدراسة دعاوى تعويضات تاريخية قد تقترب قيمتها الإجمالية من 800 مليون إسترليني.
نحو نموذج رياضي أمريكي؟
إن الصراع الدائر اليوم يتجاوز أروقة المحاكم الرياضية؛ فهو يعبر عن صراع أيديولوجي واقتصادي بين نموذج الاستثمار المفتوح القائم على ضخ الأموال بلا حدود لصناعة قوى كروية كبرى، وبين النموذج الرأسمالي الأمريكي المحافظ الذي يفضل حماية الملاك، وتقليص المخاطر، وتعظيم العوائد الاستثمارية والربحية للأندية.
سواء نجح مانشستر سيتي في مسعى استئنافه أو اصطدم بعقوبات قاسية، فإن البريميرليغ يقف اليوم على عتبة مرحلة جديدة تاريخية قد تغير ملامح المنافسة وقواعد الصرف المالي فيه للأبد.
