كتب: محمد أبو سيف
تتواصل لليوم الثالث على التوالي موجة الاحتجاجات العارمة التي تقودها الكوادر الطلابية في المدارس الثانوية وامتدت لتشمل نحو 30 جامعة فرنسية، وسط تصاعد ملحوظ في حدة الاحتقان بين المحتجين والسلطات الحكومية. وفي وقت تعاني فيه المنظومة التعليمية من أزمات هيكلية حادة، تواجه الحكومة الفرنسية أزمة سياسية وأمنية متنامية في ظل اتهامات واسعة للشرطة باستخدام "القوة المفرطة" لقمع حراك الشباب.
شرارة الغضب: أزمات قطاع التعليم وسياسات التقشف
انطلقت الاحتجاجات في الأساس من مطالب مطلبية بحتة ترتبط بتردي الأوضاع داخل المؤسسات التعليمية؛ حيث يشكو الطلاب من نقص حاد في المدرسين، واكتظاظ قاعات الدرس، وتراجع جودة البنية التحتية، وضعف المخصصات المالية الموجهة للقطاع. وقد انضمت نقابات عمالية وموظفو القطاع العام إلى الحراك احتجاجاً على السياسات المالية الحكومية ومشاريع تقليص الإنفاق العام، مما وسع رقعة الاضطرابات لتشمل مدناً رئيسية كبرى مثل باريس، مارسيليا، ليون، وليل.
جدار القمع والاحتجاجات: اتهامات بالعنف الشرطي المفرط
مع اتساع نطاق المظاهرات وتطور بعضها إلى عمليات إغلاق للمدارس وتجمعات احتجاجية، لجأت الحكومة إلى نشر وحدات مكافحة الشغب وقوات الأمن بكثافة للتعامل مع الحراك.
- استخدام الغاز والضرب: وثق طلاب ومراقبون استخدام قوات الأمن لقنابل الغاز المسيل للدموع والهراوات ورصاص الدفاع عن النفس (القذائف الرديئة والوسائل الحركية للسيطرة) بصورة وصفها المشاركون بـ "المفرطة"، حتى في التجمعات السلمية وخلال محاولات الطلاب الاعتراض على تردي الأوضاع. ورفع العديد من الطلاب لافتات تندد بالقمع الأمني، من أبرزها: "هل يمكننا التحدث دون أن نُقذف بالغاز المسيل للدموع؟" و*"قوات أمن أقل.. أموال أكثر للتعليم"*.
- حصيلة الاعتقالات غير المسبوقة: أسفرت القبضة الأمنية المشددة عن توقيف واعتقال أعداد هائلة من المحتجين – غالبيتهم العظمى من القاصرين وطلاب المدارس الثانوية (الليسي) – حيث تجاوزت أعداد الموقوفين آلاف الطلاب منذ اندلاع الأحداث، وهو ما أثار انتقادات حقوقية وسياسية واسعة لسياسة التعامل الأمني مع جيل الشباب.
دوامة العنف والانعكاسات السياسية
في المقابل، شهدت الاحتجاجات جنوح بعض المجموعات نحو أعمال شغب وتخريب، تمثلت في إحراق حاويات القمامة، والاعتراضات العنيفة، ومواجهات مع عناصر الشرطة في محيط بعض المؤسسات.
من جانبها، أدانت الحكومة الفرنسية أعمال العنف والتخريب، مع الإقرار في الوقت ذاته بمشروعية بعض القضايا التي يطرحها الطلاب حول مستقبل التعليم. غير أن المعارضة السياسية وبعض الشخصيات البرلمانية (مثل نواب حزب "فرنسا الأبيّة") حذّروا من خطورة الاعتماد على "الحل الأمني البحت" واستمرار تجاوزات الشرطة بحق قصر لا يطالبون سوى ببيئة تعليمية لائقة، مما يضع حكومة رئيس الوزراء في زاوية حرجة وسط مخاوف من خروج الأوضاع عن السيطرة مع تواصل التصعيد على الأرض.


