كتب : د. عبد الرحيم ريحان
إذا عدنا بصفحات التاريخ إلى الوراء، سنكتشف أن مصر لم تكن مجرد أرضٍ عبرت بها الحروب، بل كانت دائمًا مطمعًا لكل قوة سعت إلى السيطرة على المنطقة، لما تتمتع به من موقع استراتيجي، ونيل، وثروات، ومكانة تاريخية وحضارية. لكن الأهم من ذلك كله أن مصر لم تعتبر الهزيمة يومًا نهاية الحكاية؛ فقد يدخل عدو أرضها، وقد تمر بسنوات عصيبة، لكن يأتي دائمًا ذلك اليوم الذي يقول فيه المصريون: «هذه أرضنا.. وهذا وطننا.»
ومن هنا تبدأ حكايتنا مع الباحثة الآثارية سهيلة علي، التي تعود بنا إلى مواجهة المصريين للهكسوس، حين خرج الملك أحمس الأول من جنوب مصر ليقود حرب التحرير، حتى نجح في طردهم وتأسيس الدولة الحديثة.
وفي عهد رمسيس الثالث، واجهت مصر هجمات شعوب البحر وتهديدات من الغرب، فاستعد الجيش والأسطول المصري، ونجح في صد الغزاة والحفاظ على البلاد.
وبعد قرون، خضعت مصر للحكم الفارسي لفترات، لكن المقاومة لم تتوقف، حتى نجح المصريون بقيادة نختنبو الأول في استعادة استقلال البلاد.
وفي العصور الوسطى، أصبحت مصر قاعدة أساسية لمواجهة الحملات الصليبية، وبرز صلاح الدين الأيوبي الذي وحّد مصر والشام، وحقق انتصاره في معركة حطين عام 1187م، لتُستعاد القدس.
ثم جاءت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت عام 1798م، لكن المصريين لم يقبلوا الاحتلال، واندلعت العديد من حركات المقاومة، حتى انتهت الحملة بخروج الفرنسيين من مصر عام 1801م.
وفي القرن التاسع عشر، ظهر أحمد عرابي في مواجهة التدخل الأجنبي والاستبداد، ثم وقعت مصر تحت الاحتلال البريطاني عام 1882م، لتبدأ مرحلة طويلة من النضال الوطني، وصولًا إلى ثورة 1919، ثم إعلان الجمهورية عام 1953م.
وتتابع الباحثة الآثارية سهيلة علي: حين أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، تعرضت مصر للعدوان الثلاثي من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل. ورغم صعوبة الظروف، قاوم الجيش والشعب المصري، وخاصة في بورسعيد، وانتهى العدوان بانسحاب القوات المعتدية، وبقيت قناة السويس مصرية، وأصبحت بورسعيد رمزًا للمقاومة.
ثم جاءت حرب عام 1967م، التي انتهت باحتلال شبه جزيرة سيناء، وكانت ضربة قاسية لمصر، لكن المصريين لم يستسلموا. فأُعيد بناء القوات المسلحة، وخاضت مصر حرب الاستنزاف، واستمرت المواجهة حتى جاءت اللحظة التي انتظرها المصريون.
في تمام الساعة الثانية ظهرًا، بدأت القوات المصرية عبور قناة السويس. وانطلقت الطائرات لضرب أهداف العدو، وفتحت المدفعية نيرانها، وعبر الجنود قناة السويس، وتمكنوا من اقتحام خط بارليف ورفع العلم المصري على الضفة الشرقية.
وبعد سنوات من الاحتلال، وقف الجندي المصري على أرض سيناء من جديد، رافعًا علم وطنه.
ولم تنتهِ الحكاية عند العبور، بل استمرت مصر في طريقها حتى اكتمل انسحاب القوات الإسرائيلية من سيناء عام 1982م، ثم عادت طابا إلى السيادة المصرية عام 1989م، بعد اللجوء إلى التحكيم الدولي.
وهكذا بقيت مصر، عبر تاريخها الطويل، قادرة على تجاوز المحن واستعادة أرضها، لتظل حكايتها ممتدة من جيل إلى جيل؛ حكاية وطن لا يعرف الانكسار.
