recent
أخبار ساخنة

 التشبه بالنساء.. البضاعة الأكثر رواجاً في بورصة الترند



كتبت : د. رشا يوسف  

تشهد منصات التواصل الاجتماعي انتشاراً متسارعاً لظاهرة جديدة تتمثل في قيام شباب بتقديم محتوى يتعمد التخلي عن الهوية الرجولية، وتقمص مظهر وسلوك أنثوي مصطنع، بهدف جذب المشاهدات وتحويلها إلى مصدر دخل دائم.

ولا يقتصر الأمر على مجرد تقليد، بل تحول إلى صناعة قائمة بذاتها، تعتمد على التصنع في الصوت والحركة والألفاظ، وتقديم محتوى يقوم على الاستعراض والتمايل بهدف استثارة التفاعل والحصول على الدعم المادي من خلال الهدايا الرقمية والبث المباشر.

فخطورة الظاهرة لا تكمن في عدد المشاهدات فقط، بل في كونها تحولت إلى نموذج يُحتذى به لدى بعض المراهقين، حيث يتم تصدير فكرة أن التخلي عن الهوية والسلوك القويم هو الطريق الأسرع للشهرة والكسب المادي، مما يشكل تهديداً مباشراً لتشكيل الوعي والهوية لدى النشء.

ورغم الحملات الأمنية المستمرة التي تشنها الجهات المختصة لضبط كل من يقدم محتوى يتنافى مع قيم المجتمع، وإغلاق العديد من الحسابات المخالفة، إلا أن الظاهرة لا تزال تتكرر، مما يطرح سؤالاً أخطر من مجرد مخالفة قانونية: كيف هان على رجل أن يتخلى عن رجولته وقيمه ومبادئه التي تربى عليها، مقابل حفنة من المال؟

لم يعد الأمر مجرد بحث عن شهرة عابرة. نحن أمام حالة كاملة من التنازل الاختياري. شاب في كامل قواه العقلية، يقرر بإرادته أن يخلع ثوب الرجولة، ويتصنع النعومة والميوعة، ويقبل أن يكون مادة للسخرية والاستهزاء على العلن، فقط لأن هذا الطريق يدر عليه دخلاً.

المؤلم أن هذا التنازل لا يتم في الخفاء، بل يتم على مرأى ومسمع من الجميع. يظهر أمام الكاميرا وهو يدرك تماماً أنه يهدم الصورة التي رسمها له أهله ومجتمعه كرجل، ويقبل أن يتحول إلى أداة لجلب المشاهدات، متنازلاً عن احترامه لنفسه قبل احترام الناس له.

والأخطر أن المال الذي يجنيه من هذا الطريق ليس مجرد مال، بل هو ثمن لكرامته. كل هدية رقمية وكل مشاهدة إضافية، هي في الحقيقة مقابل جزء من قيمته كرجل. هو يبيع تاريخه ومبادئه قطعة قطعة، حتى لم يعد يملك ما يدافع به عن نفسه إذا سأله أحد: أين رجولتك؟

ورغم أن القانون يتصدى لهؤلاء ويتم ضبطهم، إلا أن العقوبة القانونية وحدها لا تكفي لتفسير حجم الخسارة. فالسجن قد ينتهي، والحساب قد يغلق، لكن الرجل الذي باع قيمه مقابل المال، سيظل يواجه نظرة المجتمع وأسرته لنفسه، وقد خسر ما لا يمكن شراؤه بالمال مرة أخرى.

فالمال الذي يشتري به هؤلاء ثمن باروكة، هو نفس المال الذي باعوا به رجولتهم، ولن تكفي كل أموال الدنيا لشرائها مرة أخري، فمن باع رجولته من أجل المال، خسر الاثنين معاً، فلا المال دام، ولا الرجولة بقيت.

إنها ليست قضية محتوى مخالف، بل قضية رجل قرر أن يبيع نفسه في سوق النخاسة الرقمية، فخسر نفسه قبل أن يخسر قضيته.


google-playkhamsatmostaqltradentX