شرفت بأنني كنت جنديًا مجندًا بالقوات المسلحة المصرية، خير أجناد الأرض، وتعلمت الكثير والكثير في حياتي العسكرية؛ النظام والانضباط والدقة في العمل والإخلاص، وأن أضحي بكل عزيز من أجل رفعة الوطن وكرامته.
تعلمت قيمة الصداقة الحقيقية، فمن تجمعك معه «قروانة واحدة» لن تنسى أجمل الأيام التي قضيتها معه، كما تعلمت الصبر ومواجهة التحديات مهما كانت.
وطبقت كل ذلك في حياتي العملية، فكان من حسن حظي أن أنتقل من خدمة الوطن في الميدان العسكري إلى خدمة الوطن في ميدان التراث، فانتقلت من جندي مجند بالقوات المسلحة إلى جندي مجند مفتشًا للآثار في طابا، على الحدود المصرية الفلسطينية، لإعادة كتابة تاريخ سيناء.
وفوجئت بأن مديري في العمل، الأستاذ عبد الحفيظ دياب، رحمه الله، يلقبنا أنا وزملائي بـ«العساكر»، فقد كان ضابطًا احتياطيًا في القوات المسلحة لعدة سنوات، وقد زرعت فيه الحياة العسكرية قيم القتال والتضحية والانتماء للوطن.
فجعل منا رجالًا، سلاحنا العلم والمعرفة، في أرض التضحيات، سيناء الغالية. وأعطانا ثقة كبيرة في أنفسنا، وترك لنا حرية التصرف واتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته. ولم نكن موظفين «محوجين» نحيل الأمر إليه لاتخاذ اللازم، بل كنا أصحاب قرار ورؤية وقدرة على مجابهة أي موقف، فخلق منا جنودًا في ميدان التراث.
وأوكل إلينا أعمال حفائر أثرية ونحن متعاقدون، قبل أن يتم تثبيتنا، وحققنا أعظم اكتشافات في تاريخ سيناء، أكدت مصريتها وفنّدت مزاعم المحتل، ونشرنا ذلك في الدوريات العلمية، لنعيد كتابة تاريخ سيناء برؤية مصرية.
كما عشنا أيامًا كان يتولى فيها رئاسة هيئة الآثار أحد الضباط الأحرار، الدكتور أحمد قدري، رحمه الله، وكان رجلًا بمعنى الكلمة أثرت فيه الحياة العسكرية، وكان يحب الآثاريين ويشجعهم على الحديث في وسائل الإعلام.
ولدرجة أنه شاهد ذات مرة زميلنا الأستاذ حامد حسين في لقاء تلفزيوني من جزيرة فرعون بطابا، فأرسل إلى المنطقة رسالة تشجيع، وقرر له مكافأة، ولم يتم تحويله للتحقيق.
وتمت في عهده أعظم مشروعات ترميم الآثار الإسلامية، ولأول مرة، حيث كان الاهتمام في السابق منصبًا بصورة أكبر على الآثار المصرية القديمة.
وأصدرت هيئة الآثار المصرية في عهده عدة إصدارات، منها كتاب عن قلعة صلاح الدين بجزيرة فرعون بطابا، والذي كان ضمن الوثائق التاريخية التي أكدت أحقية مصر في الجزء المتنازع عليه في طابا.
هكذا نؤكد أن العسكرية شرف، وقيمة، وخلق كريم، وانضباط وإخلاص، وحب وانتماء للوطن.
وكل عام وأنتم بخير.
