كتب - د. عبد الرحيم ريحان
من أدب الرحلات، تروي لنا الدكتورة نعيمة محمد إبراهيم، أستاذ مساعد التاريخ البيزنطي، رحلتها إلى أديرة وادي النطرون، برفقة الدكتورة شهد البياع، عالمة الآثار القبطية، والأستاذ هنري أيوب، المرشد السياحي وباحث الدكتوراه في الفن القبطي.
وادي النطرون.. موطن الرهبنة والنساك
من المعروف، حسب التقليد، أن العائلة المقدسة، خلال زيارتها إلى مصر، مرت بوادي النطرون، وأن السيد المسيح بارك هذا الوادي وتنبأ له بأنه سيمتلئ بالنساك والرهبان والمتوحدين.
وبالفعل، كان أول تجمع رهباني على أرض وادي النطرون حوالي عامي 330 و340م، على يد القديس مقاريوس الكبير (أبو مقار)، ومعه آمون، أحد تلاميذ الأنبا أنطونيوس (أبو الرهبان). وامتلأ وادي النطرون فيما بعد بالمنشوبيات والقلالي والأديرة، وآلاف الرهبان والسواح والمتوحدين.
وسُميت المنطقة فيما بعد برية «شيهيت»، أي «ميزان القلوب»، بمعنى أن من يسكن متعبدًا في هذه المنطقة يستطيع أن يزن قلبه، ويعرف ذاته ونقائصه، ويعرف أين هو من حياة الكمال والفضيلة، فصار بذلك وادي النطرون مسكنًا لأنقياء القلب.
وعلى الرغم من أنه وصل عدد الأديرة العامرة بالوادي إلى أحد عشر ديرًا في القرن الرابع عشر، فإن ما تبقى منها هو أربعة أديرة فقط، هي: دير السيدة العذراء السريان، ودير السيدة العذراء البراموس، ودير الأنبا بيشوي، ودير الأنبا مقار.
الرحالة ووادي النطرون
تشير الدكتورة نعيمة محمد إبراهيم إلى ورود الكثير من الرحالة إلى وادي النطرون منذ القرن الرابع الميلادي من أوروبا الغربية، لتعلم أصول النسك والرهبنة على أيدي الرهبان المصريين، ومنهم الرهبان السبعة من فلسطين في القرن الرابع الميلادي، وأبرزهم روفينوس عام 373م، ويوحنا كاسيان خلال الفترة من 380 إلى 399م، والقديس جيروم عام 385م، وبلاديوس عام 388م.
وقيل إنه عند مرور العائلة المقدسة بوادي النطرون، أنبع السيد المسيح نبع ماء عذب، عُرف باسم «عين مريم»، في وسط بحيرة شديدة الملوحة تُعرف باسم «النبع الحمراء»، ولا تزال هذه البحيرة موجودة على بُعد ثلاثة كيلومترات من دير البراموس.
دير السيدة العذراء – السريان
يُعد دير السيدة العذراء السريان أحد الأديرة الأربعة العامرة الباقية حتى الآن بوادي النطرون، ويبعد ثلاثة عشر كيلومترًا عن استراحة الطريق على طريق القاهرة–الإسكندرية الصحراوي، أو ما يُعرف بـ«الرست هاوس»، كما يبعد بضع مئات من الأمتار فقط عن دير الأنبا بيشوي، وهو يشبه فلك نوح.
يرجع تاريخ هذا الدير إلى القرن السادس الميلادي، وسُمّي في البداية باسم «سيدة الأنبا بيشوي». وفي القرن الثامن الميلادي، انتسب للدير بعض الرهبان السريان، من أصل سوري، الذين قدموا من بلادهم وعاشوا في هذه المنطقة مع الأقباط، وظلوا بالدير حتى القرن السادس عشر الميلادي، ولذلك عُرف باسم «دير السيدة العذراء – السريان»، ويُطلق عليه اختصارًا «دير السريان».
وقام بشرح الدير الأستاذ هنري أيوب، المرشد السياحي، موضحًا أن الحصن الأثري بالدير أُقيم لحماية الرهبان من أي هجوم.
وتتميز كنيسة السيدة العذراء الأثرية بجداريات رائعة، حيث كشفت البعثات الأثرية منذ عام 1994 عن خمس طبقات من الفريسكات الأثرية، تحمل صورًا رائعة وتعود إلى قرون قديمة.
وأفاض الأستاذ هنري في شرح كل ما تحويه الكنيسة من جداريات، والتخطيط البازيليكي للكنيسة، والخوارس الثلاثة، والمغطس، وباب النبوات، والمغارة الصغيرة التي كان يصلي فيها الأنبا بيشوي، وفي أعلاها رُبطت سلسلة بحبل كان يربط فيه رأسه إذا غلبه النعاس، ليظل يصلي طوال الليل.
وقد احتوى الدير، إلى جانب الكنيسة الأثرية، على كنيسة باسم الأنبا كاراس، وهي كنيسة تم افتتاحها حديثًا، وخصصت كمتحف نُقلت إليه بعض الفريسكات التي كانت مختفية تحت الطبقات في الكنيسة الأثرية.
كما يضم الدير كنيسة الأربعين شهيدًا بسبسطية، وكنيسة العذراء المغارة، وكنيسة القديس يحنس كاما، والمائدة الأثرية بالدير، حيث كان يجتمع الرهبان لتناول الطعام، وخاصة الوجبة بعد القداس «الأغابي»، إلى جانب شجرة القديس مار أفرام السرياني التي يعود تاريخها إلى القرن الرابع الميلادي.
دير الأنبا بيشوي
تنوه الدكتورة نعيمة محمد إبراهيم إلى أهمية دير الأنبا بيشوي، حيث عاش الأنبا بيشوي في البداية في مغارة موجودة الآن بدير السريان، ثم تركها بعد أن زاد عدد الرهبان حوله، ورحل شمالًا مسافة ميلين، حيث يوجد ديره الآن، وذلك في أواخر القرن الرابع الميلادي.
واستقبل الوفد الراهب الكريم الأب عذرا، ذاكرًا أن عدد الرهبان في مصر يبلغ 2500 راهب، وفي وادي النطرون حوالي 900 راهب، فهو أكبر تجمع رهباني في مصر.
وتحدث الأب عذرا عن الأنبا بيشوي وقصة حياته ورهبنته، وظهورات السيد المسيح له، وحياته وكنيسته في أنصنا.
واصطحب الوفد إلى الكنيسة الأثرية، طالبًا خلع الأحذية عند الدخول، وشرح طرازها المعماري وهياكلها وما بها من فريسكات وأيقونات، وكذلك حوض اللقان والأنبل ورفات القديسين الموجودة بها، وبيض النعام ورمزيته.
كما شرح العديد من الأيقونات داخل الكنيسة وتاريخها وطرزها الفنية، وكذلك مزار الأنبا شنودة الثالث، الذي أوصى بأن يُدفن في دير الأنبا بيشوي.
وهو مزار جميل يحتوي على قبره وبعض متعلقاته، وهو أشبه بمتحف، وكان به زحام كبير، سواء من الرحلات المدرسية أو الجمهور العادي، الذين جاءوا لأخذ البركة والدعاء في هذا المكان.
ويوجد بالدير كنائس أخرى، وهي كنيسة السيدة العذراء والأنبا بنيامين، وكنيسة مار جرجس والشهيد أبي سيفين، وكنيسة السيدة العذراء بالحصن، وكنيسة الملاك ميخائيل.
ويضم الدير أيضًا بعض الملحقات الأثرية، مثل المعمودية والمائدة والمطحنة الأثرية والطافوس والحصن القديم، فضلًا عن القلالي القديمة.
كما احتوى الدير على بعض المباني الخدمية، مثل المعمودية الجديدة، وبيت لحم، وبيت الخلوة للآباء الكهنة والشباب، وقصر الضيافة، والعيادات الطبية، والفرن، ومعمل الألبان، ومطبخ خاص بالرهبان، وآخر خاص بعمال الدير.
دير البراموس
استقبل الوفد بدير البراموس الأب ميصائيل البراموسي، وهو راهب على درجة كبيرة من الثقافة والعلم، حاصل على الدكتوراه في التاريخ القبطي، وله الكثير من المؤلفات الدينية والتاريخية.
وذكر أن كلمة «برموس» هي النطق العربي للكلمة القبطية «با – روميوس»، أي «الذي للروم» أو «دير الروميين»، والمقصود بهما مكسيموس ودوماديوس، ابنا الإمبراطور فالنتنيان، اللذان تركا العاصمة البيزنطية وجاءا للرهبنة في الصحراوات المصرية على يد الأنبا مقار.
وبعد وفاتهما، أُقيمت كنيسة على قبرهما، وهي التي تطورت بعد ذلك وصارت دير البراموس.
وذكر الأب ميصائيل أن دير البراموس يُعد أهم دير في وادي النطرون، وأول دير تم بناؤه، وقد أسسه القديس أبو مقار نفسه.
وأشار إلى المقر البابوي الذي افتتحه البابا شنودة، وأقام فيه البابا تواضروس أثناء زيارته للدير، وأصبح المقر البابوي في دير البراموس.
ويضم الدير الكنيسة الأثرية، وكنيسة الأمير تادرس، ويرجع تاريخها إلى القرن الرابع عشر الميلادي، وكنيسة مار جرجس التي ترجع إلى القرن الثالث عشر، وكذلك كنيسة باسم يوحنا المعمدان، وتوجد في الحصن.
وبالدير عيادة وصيدلية لخدمة الرهبان، ومركز للمؤتمرات، وبيتان للضيافة افتتحا عام 1981.
دير الأنبا مقار
قام بالشرح المرشد السياحي السيد هنري أيوب، ذاكرًا أنه في مرحلة زمنية ما نُقلت إلى الدير مدرسة الإسكندرية اللاهوتية، وأنه تم حاليًا اكتشاف بعض رفات يوحنا المعمدان وإليشع النبي، وهي محفوظة في الكنيسة الأثرية.
واستقبل الوفد في دير الأنبا مقار الأب مرقوريوس، مشيرًا إلى بدايات الرهبنة في وادي النطرون في القرن الرابع الميلادي، على يد الأنبا مقاريوس الكبير، الذي وُلد في قرية شبشير بمحافظة المنوفية.
وأوضح وجود حياة رهبانية بالدير حتى الآن، حيث يصل عدد الرهبان إلى 120 راهبًا، مؤكدًا أن الحياة الرهبانية تقوم على الصلاة والعمل.
ومن أجل ذلك، تمت زراعة المنطقة المحيطة بالدير بأشجار الزيتون والنخيل والمانجو، ويتم بيع هذه المنتجات، ويُخصص جزء من حصيلة البيع للمعيشة، وجزء آخر لمساعدة الفقراء.
وذكر أن حياة الرهبان تبدأ في الرابعة فجرًا بالتسابيح، وبعد ذلك يذهب كل راهب إلى عمله، مع أخذ راحة في الظهيرة لمدة ساعتين، ثم يجتمع الرهبان للصلاة ليلًا لمدة ساعة، ثم النوم مبكرًا حتى يمكن الاستيقاظ مبكرًا.
وأشار الأب مرقوريوس إلى أهمية كنيسة الأنبا مقاريوس، وما تم بها من اكتشافات حديثة لرفات يوحنا المعمدان وإليشع النبي، وتمت تغطيتها بلوح من الزجاج ليتمكن الزوار من مشاهدتها.
كما تحدث عن كنيسة التسعة والأربعين شهيدًا، التي ارتبطت تسميتها بالتسعة والأربعين راهبًا الذين قُتلوا في القرن الخامس الميلادي على يد قبائل البربر البدوية التي سكنت شمال أفريقيا، وكانت تشن هجماتها المتكررة على الأديرة بغرض السرقة.
وذكر الأب مرقوريوس أنه تم ترميم هذه الكنيسة وافتتاحها منذ شهر، وأثناء الترميم تم الكشف عن قبو في باطن الكنيسة، وُجدت فيه عظام، تم وضعها في صناديق داخل الكنيسة.
ثم تجول الوفد لمشاهدة قلالي الرهبان الأثرية والمائدة الأثرية، واختتموا الزيارة بشراء منتجات الدير من زيت الزيتون والتمر ومنتجات الألبان، التي اشتهرت بها الأديرة المصرية وتمتعت بجودة كبيرة وشهرة واسعة.


