كتب : د. عبد الرحيم ريحان
في محاضرة مرجعية ضمن فعاليات «ملتقى علماء وطلاب الآثار العرب»
، قدّم الأستاذ الدكتور فاروق إسماعيل عرضًا تحليليًا وتوثيقيًا شاملًا تحت عنوان «مصادر كتابة التاريخ السوري القديم».
وتناولت المحاضرة، في جوهرها، المنهجية العلمية التي ينبغي أن تحكم دراسة التاريخ، محذّرة من تداعيات «اقتحام الهواة» لهذا التخصص الحساس، وما قد يترتب على ذلك من تشويه للحقائق وتضليل للرأي العام.
فلسفة كتابة التاريخ ومنهجيتها
بدأ الدكتور فاروق إسماعيل بالتأكيد على أن كتابة التاريخ القديم ليست مجرد سرد لحكايات الملوك والحروب، وإنما هي محاولة لفهم حياة الإنسان في بيئته، وكيف كان يفكر، وما التحديات التي واجهها، وكيف أبدع في تجاوزها.
وأوضح أن علم التاريخ يستند إلى «مثلث» يقوم على ضلعين أساسيين هما: الآثار المادية، بما تشمل من عمارة وفنون، والآثار الكتابية، مشددًا على أن أي بناء تاريخي يفتقر إلى السند العلمي والتخصصي يُعد افتقارًا إلى المنهجية العلمية، وقد يؤدي إلى تشويه الذاكرة الوطنية.
سوريا.. خزّان الحضارات والوثائق
تُعد سوريا أرضًا غنية بالمكتشفات الأثرية والوثائق التاريخية، حيث يُقدّر الباحثون مجموع الوثائق المسمارية المكتشفة عالميًا بنحو نصف مليون وثيقة، فيما يبلغ نصيب سوريا منها باللغة الأكادية وحدها نحو 43 ألفًا و400 وثيقة، موزعة على أكثر من 30 موقعًا أثريًا.
وتفرض هذه الثروة المعرفية مسؤولية كبيرة على عاتق المؤسسات الأكاديمية العربية، من أجل دراسة هذه الوثائق وتحقيقها وترجمتها ونشرها علميًا.
خريطة المصادر عبر العصور
استعرض المحاضر تطور مصادر كتابة التاريخ السوري عبر آلاف السنين، متوقفًا عند أبرز المراحل:
1- الألف الثالث قبل الميلاد
تصدرت إيبلا المشهد باعتبارها من أقدم وأشهر المواقع، بما عُثر فيه من آلاف الوثائق الإدارية والاقتصادية، مع الإشارة إلى أن عدد الوثائق الكاملة المؤكدة يبلغ 3182 وثيقة.
وتلتها وثائق مملكة ماري على الفرات، إلى جانب تل بيدر وأوركيش وتل براك، التي كشفت عن تداخل لغوي بين السومرية والأكادية، إلى جانب كلمات محلية.
2- الألف الثاني قبل الميلاد
اعتبر المحاضر هذا العصر العصر الذهبي للأموريين، حيث توسعت علاقات ماري لتشمل بابل وآشور وأوغاريت وقطنة.
كما قدمت نصوص إيمار وأوغاريت كنوزًا معرفية متنوعة، تضمنت نصوصًا دينية وشعائرية طويلة، إضافة إلى رسائل تل العمارنة التي أرّخت لعلاقات دولية معقدة في تلك الفترة.
3- الألف الأول قبل الميلاد وما بعده
تناولت المحاضرة النقوش الآرامية القديمة في جوزان وأرسلان طاش، وصولًا إلى العصور الكلاسيكية والساسانية، التي وصفتها المحاضرة بأنها «عصور مظلمة» من حيث ندرة المصادر الكتابية المكتشفة، حيث اعتمدت دراسة التاريخ خلال هذه الفترات بدرجة كبيرة على المسكوكات أو النقوش الدينية المقتضبة.
أزمة البحث العلمي والتنقيب الوطني
وجّه الدكتور فاروق إسماعيل انتقادًا صريحًا لواقع التنقيب الأثري في سوريا، مشيرًا إلى استمرار الاعتماد بدرجة كبيرة على الخبرات الأجنبية، مع غياب بعثات وطنية سورية متكاملة التخصصات، تضم لغويين ومؤرخين وعلماء بيئة ومتخصصين في الترميم.
وأشار إلى أن الجهود الفردية، رغم قيمتها، تظل محدودة ولا تغني عن وجود مراكز بحثية مؤسسية تتولى ترجمة هذه الوثائق ودراستها ونشرها.
تحديات القراءة والنشر
وأوضح المحاضر أن نسبة الوثائق المترجمة والمنشورة علميًا باللغة العربية لا تزال ضئيلة، ولا تتجاوز، وفق ما طرحه في المحاضرة، 5% من المكتشفات.
كما أكد أن الوصول إلى بعض الوثائق لا يزال خاضعًا لسيطرة البعثات الأجنبية، وهو ما يحدّ من قدرة الباحث العربي على الإسهام في قراءة تاريخه ودراسته من مصادره الأصلية.
رؤية استشرافية للمستقبل
اختتمت المحاضرة بدعوة ملحّة إلى تعزيز الدراسات اللغوية، والاستفادة من التقنيات الحديثة في قراءة وتحليل الوثائق، مع التأكيد على ضرورة الفصل بين البحث العلمي الرصين ومحاولات التفاخر القومي التي لا تستند إلى أسس توثيقية.
كما حذّر المحاضر من أن التراث اللغوي، ومنه الأكادي والأوغاريتي والآرامي، يحظى باهتمام وتقدير كبيرين في المراكز البحثية العالمية، بينما لا يزال يحتاج إلى مزيد من الاهتمام في موطنه الأصلي.
وفي ضوء ما طُرح، تبدو المحاضرة أبعد من كونها مجرد عرض تاريخي؛ فهي تطرح رؤية لإعادة بناء المنهجية البحثية في الوطن العربي، والبدء بمشروعات وطنية لتدريب أجيال جديدة من المتخصصين القادرين على قراءة وفك رموز الرقم الطينية
ودراسة الوثائق القديمة، وتحويلها إلى معرفة تاريخية موثقة وذاكرة علمية حيّة.
