recent
أخبار ساخنة

بين ما نراه وما لا نعرفه

 


بقلم : سلسبيل حمد

أحيانًا يتغيّر حكمنا على شخص بسبب لحظة واحدة؛ كلمة سمعناها، أو موقف لم يعجبنا، أو غياب لم نفهم سببه. نحتفظ بالمشهد في ذاكرتنا، ثم نبني عليه صورة كاملة عن صاحبه، وكأننا نعرف حكايته كلها.

وهنا يقع كثير من الظلم.

فالإنسان لا يصل إلى لحظته من فراغ. خلف كل انفعال ظروف سبقته، وخلف بعض القرارات تفاصيل لا تظهر للآخرين، وحتى الصمت قد يكون نتيجة أيام طويلة من التفكير والتعب.

قد نلتقي شخصًا في أسوأ ساعات يومه، فنعتقد أن هذه هي شخصيته، أو نرى صديقًا ابتعد قليلًا، فنفسّر الأمر على أنه تغيّر، بينما قد تكون حياته في ذلك الوقت مزدحمة بما لا يستطيع شرحه.

ليس المطلوب أن نجد مبررًا لكل خطأ؛ فهناك تصرفات تستحق العتاب، وأذى يستدعي وضع حدود واضحة. لكن هناك فرق بين رفض السلوك، وبين الادعاء بأننا نعرف نية صاحبه أو كل الظروف التي دفعته إليه.

نحن نعرف من الناس ما يظهر أمامنا، لكننا لا نعرف بالضرورة ما يحدث في بقية حياتهم.

لذلك، قد تكون جملة «لا أعرف السبب» أكثر إنصافًا من تفسير لم يخبرنا به صاحبه، وقد يمنعنا سؤال بسيط من ظلم إنسان لم تتح لنا فرصة معرفة ظروفه.

وفي زمن أصبحت فيه الرسائل القصيرة والمنشورات ومواقف مواقع التواصل مادة جاهزة للتفسير، أصبح من السهل أن يتحول سوء الفهم إلى خصومة، وأن يصبح التأخر في الرد اتهامًا، وأن يُقرأ الاختلاف وكأنه تغيّر في المشاعر.

لكن العلاقات الإنسانية أكبر من رسالة، وأعمق من موقف واحد.

أن نحسن الظن لا يعني أن نقبل الأذى، وأن نلتمس العذر لا يعني أن نتجاهل الخطأ؛ إنما يعني أن نكون أكثر عدلًا في أحكامنا، وأن نترك مساحة لاحتمال قد لا نعرفه.

فكما نحب أن يُفهم موقفنا عندما نخطئ، فمن الإنصاف أن نمنح الآخرين المساحة نفسها.

ليس كل ما نراه يكفي لنفهم الإنسان، وليس كل ما نعرفه يمنحنا الحق في تفسير حياته.

وربما قبل أن نحكم على أحد من موقف عابر، يكفي أن نتوقف لحظة ونقول:

«ربما هناك شيء لا أعرفه.»

google-playkhamsatmostaqltradentX