recent
أخبار ساخنة

مصطلح «الفراعنة».. هل يمثل هوية للمصريين؟

 


كتب : د. عبد الرحيم ريحان

يفضل المتخصصون في الآثار، وأنا منهم بالطبع، إطلاق مصطلح «قدماء المصريين»، بينما يفضل الإعلاميون في الداخل والخارج استخدام مصطلح «الفراعنة». فأيهما أصح؟

الإجابة ببساطة: كلاهما صحيح، ولكل مصطلح دلالته التاريخية.

فقد استُخدم لقب «فرعون» كلقب شخصي يُطلق على حاكم أو ملك مصر مع بداية عهد الدولة الحديثة، وتحديدًا ابتداءً من الأسرة الثامنة عشرة في القرن السادس عشر قبل الميلاد. والكلمة مشتقة من المصرية القديمة «بر-عا» (Pr-Aa)، وتعني «البيت الكبير» أو «القصر العظيم».

أما قبل الدولة الحديثة، مثل عصر الدولة القديمة والدولة الوسطى فكانت الكلمة تُستخدم للإشارة إلى المبنى الحكومي أو القصر الملكي ذاته، أو في صيغ الدعاء والأمنيات المرتبطة بالقصر، ولم تكن تُطلق لقبًا على شخص الملك. ثم تحولت الكلمة تدريجيًا خلال الدولة الحديثة لتصبح لقبًا يُكنى به عن حاكم مصر.



«فرعون» في المصادر الدينية والتاريخية

ويُعد استخدام لقب «فرعون» لملك مصر حقيقة وردت في المصادر الدينية، كما تناولتها الدراسات التاريخية والأثرية. وقد أشار الشيخ محمد متولي الشعراوي، رحمه الله، في تفسيره اللغوي للقرآن الكريم، إلى استخدام لفظ «فرعون» عند الحديث عن حاكم مصر في قصة نبي الله موسى عليه السلام، بينما ورد لفظ «الملك» في قصة نبي الله يوسف عليه السلام.

ومن الآيات التي ورد فيها لفظ «الملك»:

﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ [يوسف: 43]

وقوله تعالى:

﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ [يوسف: 54]

وقد استدل الشيخ الشعراوي من هذا الاختلاف في التعبير على أن حاكم مصر في عهد يوسف عليه السلام كان يُشار إليه بلقب «الملك»، بينما استخدم القرآن الكريم لقب «فرعون» في قصة موسى عليه السلام.

فرعون في القرآن الكريم

ورد اسم «فرعون» في القرآن الكريم في مواضع عديدة، مرتبطًا بقصة نبي الله موسى عليه السلام وبقومه، ومن ذلك قوله تعالى:

﴿وَقَالَ مُوسَىٰ يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 104]

وقوله تعالى:

﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [يونس: 79]

وقوله تعالى:

﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: 50]

وكذلك قوله تعالى:

﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [آل عمران: 11]

وقوله تعالى:

﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ [الأعراف: 113]

وقوله تعالى:

﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 130]

وقوله تعالى:

﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: 127]

فرعون في العهد القديم

ورد لقب «فرعون» كثيرًا في أسفار العهد القديم للإشارة إلى حكام وملوك مصر.

ففي الأسفار الأولى، وحتى زمن نبي الله سليمان عليه السلام استُخدم لقب «فرعون» غالبًا كلقب عام لحاكم مصر، مع ورود عبارة «ملك مصر» في بعض السياقات، دون تحديد الاسم الشخصي للحاكم.

وقد ورد ذلك في قصص أنبياء الله إبراهيم ويوسف وموسى عليهم السلام.

ففي عصر نبي الله إبراهيم عليه السلام، جاء في سفر التكوين (12: 15) ما يشير إلى فرعون وحاشيته عند دخول إبراهيم إلى مصر.

وفي قصة نبي الله يوسف عليه السلام، جاء في سفر التكوين (41: 14 و46) ذكر فرعون، ومن ذلك أن فرعون دعا يوسف وطلب إحضاره إليه.

أما في قصة نبي الله موسى عليه السلام والخروج، فقد تكرر لقب «فرعون» في سفر الخروج، ومن ذلك ما ورد في (5: 1):

«هكذا يقول إله إسرائيل: أطلق شعبي».

وتكرر اللقب خلال قصة الضربات والخروج من مصر، دون أن يحدد النص التوراتي اسم فرعون الشخصي في قصة الخروج.

وفي العصور المتأخرة، بدأ العهد القديم يقرن لقب «فرعون» بالاسم الشخصي لبعض ملوك مصر، مثل فرعون نخو، الذي ورد ذكره في سفر الملوك الثاني، وكذلك فرعون حوفرا (حفرع) الوارد في سفر إرميا.

وبذلك يظهر أن «فرعون» كان لقبًا عامًا ارتبط بحكام مصر في المصادر الدينية القديمة، ثم ارتبط في بعض الفترات بأسماء محددة لبعض الملوك.



«فرعون».. هل هوية مصرية؟

وبالتالي، فإن استخدام مصطلح «الفراعنة» للدلالة على الحضارة المصرية القديمة أصبح شائعًا وراسخًا في الثقافة المصرية والعالمية، إلى جانب المصطلح العلمي الأدق «قدماء المصريين».

وقد أصبح مصطلح «الفراعنة» جزءًا من الصورة الذهنية التي ارتبطت بها الحضارة المصرية القديمة في مختلف أنحاء العالم، بل أصبح يُستخدم أحيانًا للتعبير عن الفخر بالحضارة المصرية، حتى وُصف بعض المصريين البارزين في الخارج، مثل النجم محمد صلاح، بلقب «الفرعون المصري».

فهل بعد كل هذا يأتي المصريون لينكروا على أنفسهم استخدام مصطلح «الفراعنة»؟

في تقديري، لا توجد غضاضة في استخدام أي من المصطلحين، مع مراعاة السياق؛ فالمصطلح العلمي والتاريخي هو «قدماء المصريين»، بينما مصطلح «الفراعنة» أصبح شائعًا للدلالة على مصر القديمة وحضارتها وملوكها.

ومن ثم، يمكن القول إن كلا المصطلحين صحيح في سياقه والأهم هو معرفة الدلالة التاريخية الدقيقة لكل منهما.

google-playkhamsatmostaqltradentX