recent
أخبار ساخنة

فرويد والمنظور الدينامي النفسي.. رحلة في أعماق الشخصية واللاوعي وراء "جبل الجليد"

 


​بقلم: د. سارة المنسي

(ماجستير صحة نفسية | دبلومة تربية خاصة: توحد وصعوبات تعلم)

​كثيرًا ما أقف خلال عملي في مجال الإرشاد النفسي والتربية الخاصة، وبصفتي أخصائية تتعامل عن قرب مع الأطفال واحتياجاتهم وأنماطهم النمائية المختلفة، أمام مواقف وسلوكيات تبدو للوهلة الأولى غامضة أو بلا سبب واضح؛ كطفل يرفض التعلم رغم امتلاكه قدرات جيدة، أو آخر يقاوم البيئة المدرسية، أو طفل من ذوي اضطراب طيف التوحد تظهر لديه سلوكيات تحتاج إلى فهم دقيق لطبيعتها النمائية والتواصلية.

​هذه المواقف تذكرني دائماً بحقيقة أساسية:

​«السلوك الإنساني قد يكون مجرد قمة جبل جليدي، بينما توجد خلفه عوامل وتجارب ومشاعر لا نراها مباشرة.»


​ومن هنا يأتي الاهتمام بالمنظور الدينامي النفسي وأفكار سيغموند فرويد، باعتبارها إحدى المحطات المهمة في تاريخ محاولات فهم الإنسان؛ ليس فقط من خلال ما يفعله ويقوله، وإنما عبر ما يدور خلف السلوك الظاهر من مشاعر وصراعات ودوافع.

​فرويد.. الطبيب الذي أعاد طرح السؤال: ماذا يحدث داخل الإنسان؟

​يُعد سيغموند فرويد (1856–1939) من أبرز الشخصيات في تاريخ علم النفس والعلاج النفسي؛ فقد كان طبيبًا نمساويًا ومؤسسًا للتحليل النفسي، ولم يكن عالم نفس بالمعنى الأكاديمي الحديث، لكنه قدم تصورًا مؤثرًا عن الحياة النفسية وعملياتها التي تحدث خارج نطاق الوعي.

​واهتم فرويد بتفسير ظواهر عدة مثل الأحلام، والقلق، وزلات اللسان، والصراعات الداخلية، ومتحولاً تدريجيًا من التركيز على "العرض الظاهر" إلى محاولة فهم ما يقف خلفه من عمليات وصراعات نفسية.

​ماذا يعني المنظور الدينامي النفسي؟

​ينظر هذا المنظور إلى الشخصية باعتبارها عملية متحركة، تتفاعل داخلها مجموعة من الدوافع والمشاعر والقيم والخبرات، مرتكزا على عدة موضوعات رئيسية:

  • ​العمليات النفسية غير الواعية والصراعات الداخلية.
  • ​تأثير الخبرات والعلاقات المبكرة والقلق والانفعالات.
  • ​آليات الدفاع النفسي وطريقة تشكل أنماط التفكير والسلوك.

​وبذلك لا يكتفي هذا الإطار بالسؤال (ماذا يفعل الإنسان؟)، بل يسأل: (ماذا يحدث بداخله؟)، مؤكداً في الوقت ذاته أن المنظور الدينامي ليس الإطار الوحيد لفهم السلوك أو الاضطرابات النفسية.

​الوعي واللاوعي.. وماذا يختبئ تحت السطح؟

​في تشبيه العقل بـ جبل الجليد الشهير:

  1. ​الوعي: يمثل الجزء الظاهر فوق الماء، وهو ما ندركه في اللحظة الحالية من أفكار ومشاعر وإدراكات.
  2. ​اللاوعي: يشير إلى الدوافع والرغبات والذكريات والمشاعر التي لا تكون متاحة بصورة مباشرة، لكنها تؤثر في الحياة النفسية والسلوك، وهو ما سعى التحليل النفسي لاستكشافه عبر التداعي الحر وتحليل الأحلام، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة التمييز بين الطرح التاريخي لعلم النفس الحديث.

​عندما تتصارع الرغبة مع الواقع (الهو، الأنا، والأنا الأعلى)

​قدم فرويد نموذجًا ثلاثياً للشخصية:

  • ​الهو (Id): يرتبط بالدوافع والرغبات الأساسية، ويعمل وفق مبدأ اللذة.
  • ​الأنا (Ego): تتعامل مع الواقع وتحاول تحقيق التوازن وفق مبدأ الواقع.
  • ​الأنا الأعلى (Superego): تمثل القيم والمعايير والضمير والأخلاق.

​ويمكن تلخيص المشهد في معادلة بسيطة:

(الهو: أريد الآن / الأنا الأعلى: هذا غير مقبول / الأنا: فلنبحث عن طريقة مناسبة).

​آليات الدفاع.. حين يحاول العقل حمايتنا

​عندما يواجه الإنسان مشاعر مؤلمة أو صراعًا داخليًا، قد يستخدم بصورة غير واعية أساليب لتخفيف التوتر، ومن أبرزها: الكبت، النكوص، الإسقاط، التبرير، التكوين العكسي، الإزاحة، الإنكار، والتسامي.

​ولا يعني استخدام هذه الآليات وجود اضطراب نفسي بالضرورة، فهي طرق تعامل بشرية مع الضغوط، لكنها قد تعيق التكيف إذا أصبحت جامدة أو مفرطة.

​خلاصة: وراء كل سلوك إنسان له قصة

​إن دراسة فرويد اليوم لا تعني بالضرورة قبول نظريته كاملة، في ظل ما تعرضت له من نقد ومراجعة علمية —خاصة فيما يتعلق بمراحل النمو النفسي-جنسي أو تفسير زلات اللسان المبالغ فيها—. لكن قيمتها تكمن في تركيز الضوء على حقيقة كبرى:

​أن السلوك ليس دائمًا القصة كاملة. فالطفل الذي يرفض قد لا يكون "عنيدًا"، والغاضب قد لا يكون "سيئ السلوك"، والمنسحب قد يكون عاجزًا عن التعبير عن احتياجه.

​لذا، يبقى الدرس الأهم بعيداً عن التعقيد النظري:

​«أن وراء السلوك إنسانًا له قصة، وأن فهم هذه القصة يحتاج إلى علم، ودقة، وتعاطف، وألا نتسرع في الحكم من ظاهر السلوك وحده.»

google-playkhamsatmostaqltradentX