كتب - كريم وليم
لم نعد نتحدث فقط عن وقائع فساد عابرة، بل عن ممارسات سلبية قد تتكرر في بعض التعاملات اليومية، وتؤثر بصورة مباشرة في علاقة المواطن بمؤسسات الدولة. ولم يعد الأمر، في بعض الحالات، مجرد مخالفة فردية تحدث في الخفاء، وإنما سلوك يحتاج إلى مواجهة واضحة وحاسمة، حفاظًا على سيادة القانون وثقة المواطنين.
قد يجد المواطن نفسه أحيانًا أمام إجراءات معقدة أو تأخيرات في بعض المعاملات، إلى جانب الرسوم الرسمية المقررة، وهو ما قد يدفع البعض إلى البحث عن طرق غير قانونية لتسهيل الحصول على الخدمة أو إنهاء الإجراءات.
وفي المدارس الحكومية، يحصل الطلاب على خدماتهم التعليمية وفقًا للقواعد واللوائح المنظمة. وقد تظهر في بعض الحالات مطالبات مالية أو مساهمات تحت مسميات مختلفة وهنا تبرز أهمية أن تكون أي مساهمات مالية واضحة ومعلنة وأن تتم وفقًا للقواعد المنظمة، وألا تتحول إلى عبء على الأسرة أو ترتبط بحصول الطالب على حقه في التعليم
أو الخدمات التعليمية.
وفي مرافق الدولة، كالكهرباء وغيرها، قد يواجه المواطن أحيانًا صعوبات أو تأخيرًا في إنجاز بعض الإجراءات، وهو ما قد يفتح الباب أمام ممارسات غير قانونية من جانب بعض الموظفين
مثل طلب مبالغ مالية مقابل تسريع الخدمة أو إنهائها. وهذه الممارسات، حال ثبوتها، تمثل مخالفات تستوجب الرقابة والمحاسبة وفقًا للقانون.
وينطبق الأمر كذلك على بعض المصالح الحكومية، من المرور إلى الشهر العقاري والأحياء وغيرها، حيث يمكن أن تؤدي تعقيدات الإجراءات أو التأخير في بعض الحالات إلى زيادة شعور المواطن بالضغط، وقد تدفع بعض الأفراد إلى محاولة تجاوز الإجراءات القانونية بدلًا من انتظار المسار الطبيعي للمعاملة.
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بالمبلغ الذي قد يتم دفعه بصورة غير قانونية، وإنما بالآثار التي يمكن أن تترتب على تكرار مثل هذه الممارسات، خاصة عندما يبدأ البعض في التعامل معها باعتبارها أمرًا طبيعيًا أو وسيلة معتادة لإنجاز المصالح.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
الخطر ليس في المال وحده، بل فيما يمكن أن يُزرع في عقول الأجيال القادمة.
فعندما يرى الطفل أن بعض الأشخاص يلجأون إلى طرق غير قانونية لتجاوز الإجراءات أو الحصول على خدمة بصورة أسرع، فقد يتكون لديه انطباع خاطئ بأن الالتزام بالقانون ليس دائمًا الطريق الأفضل، وأن الوصول إلى الهدف قد يبرر أحيانًا تجاوز القواعد.
وهذا أمر بالغ الخطورة؛ لأن بناء المجتمع لا يعتمد فقط على القوانين واللوائح، وإنما يعتمد كذلك على ترسيخ قيم الأمانة والنزاهة واحترام القانون لدى الأفراد، وخاصة لدى الأجيال الجديدة.
نحن لا نواجه فقط مشكلة مرتبطة بتصرفات فردية، وإنما نحتاج إلى مواجهة أي ممارسات من شأنها إضعاف الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وذلك من خلال تطبيق القانون وتعزيز الرقابة، ومحاسبة المخالفين، وتبسيط الإجراءات وضمان حصول المواطن على حقوقه من خلال طرق واضحة وميسرة.
كما أن مواجهة الفساد لا تقع مسؤوليتها على جهة واحدة فقط بل تحتاج إلى تعاون مؤسسات الدولة والمواطنين، ورفض الممارسات غير القانونية، وعدم اعتبارها وسيلة طبيعية
أو مقبولة لإنجاز المصالح.
فالمجتمع لا يتغير بالعقوبات وحدها، وإنما عندما يصبح الالتزام بالقانون هو الطريق الأسهل والأوضح للحصول على الحق.
لأن أخطر ما يمكن أن يتركه الفساد ليس خسارة المال فقط وإنما أن يتحول الخطأ مع مرور الوقت إلى سلوك معتاد، وأن تفقد الأجيال الجديدة ثقتها في قيمة الأمانة وسيادة القانون.
