recent
أخبار ساخنة

والأهم : قدرة مصر على أن تكون نقطة اتصال


بقلم : الدكتورة إيناس عمر الصاوي 

تستطيع القاهرة أن تتحدث مع دوائر متعددة في الوقت نفسه، وهذه القدرة تمنحها قيمة دبلوماسية خاصة في منطقة تتشابك فيها المصالح بصورة غير مسبوقة.

فالصين لا تحتاج فقط إلى شريك اقتصادي، وإنما تحتاج أيضًا إلى فهم البيئة الإقليمية التي تريد توسيع حضورها داخلها.

ومصر، بحكم تاريخها ودورها وموقعها، تمتلك هذه الخاصية.



القضية الفلسطينية والبعد الإقليمي

لا يمكن قراءة أي تحرك دولي كبير تجاه مصر بمعزل عن البيئة الإقليمية التي تتحرك فيها القاهرة.

فالمنطقة تعيش أزمات متشابكة، والقضية الفلسطينية تظل في قلب المشهد العربي والدولي، بينما تتقاطع معها ملفات الأمن والطاقة والممرات البحرية ومستقبل الاستقرار الإقليمي.

وفي هذه البيئة، تصبح مصر طرفًا لا يمكن تجاوزه.

ومن الطبيعي أن تحظى علاقاتها مع القوى الكبرى بأهمية تتجاوز الحدود الثنائية؛ فمن يمتلك قدرة على التأثير في الإقليم يصبح شريكًا مهمًا لمن يريد أن يكون له حضور فيه.



وهذا أحد مفاتيح فهم أهمية القاهرة بالنسبة إلى بكين.

الزيارة ليست نهاية.. وإنما بداية اختبار

كل زيارة رئاسية كبيرة تحمل معها توقعات واسعة، لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد انتهاء مراسم الزيارة.

هل تستطيع العلاقات المصرية الصينية أن تنتقل إلى مرحلة أكثر إنتاجًا؟

هل يمكن زيادة الاستثمارات النوعية؟

هل يمكن رفع مستوى التصنيع المحلي؟

هل يمكن أن يتحول التعاون التكنولوجي إلى معرفة مصرية متراكمة؟

هل يمكن أن تتوسع الصادرات المصرية إلى الصين؟

وهل تستطيع القاهرة أن تستفيد من علاقتها ببكين في بناء اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة؟

هذه الأسئلة هي التي ستحدد القيمة الحقيقية للزيارة.

فالسياسة لا تُقاس فقط بما يُقال أمام الكاميرات، وإنما بما يبقى على الأرض بعد أن تغادر الكاميرات.



مصر بين القوى الكبرى

في النهاية، ربما تكون الرسالة الأهم التي تحملها زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة أن مصر لا تريد أن تكون مجرد طرف في صراع النفوذ الدولي، وإنما تريد أن تكون دولة لها وزنها في هذا الصراع، من خلال استقلال قرارها وتعدد علاقاتها.

وهذا فرق جوهري.

فالانضمام إلى محور يعني أن تتحرك الدولة داخل خيارات يحددها الآخرون، أما بناء شبكة من الشراكات فيعني أن تمتلك الدولة مساحة أكبر لصناعة خياراتها بنفسها.

والقاهرة، بما تمتلكه من موقع وثقل وتاريخ ودور تستطيع أن تستفيد من هذه اللحظة الدولية إذا أحسنت إدارة علاقاتها.

الخاتمة: حين تتحول الزيارة إلى رسالة

زيارة الرئيس الصيني إلى مصر ليست مجرد حدث دبلوماسي كبير، وإنما مشهد صغير داخل لوحة أكبر تتغير فيها موازين القوة في العالم.

فبكين تبحث عن شراكات استراتيجية في مناطق ذات أهمية متزايدة، بينما تعمل القاهرة على توسيع خياراتها وتعزيز موقعها في نظام دولي أكثر تعددًا.

وبين الطرفين توجد مصالح حقيقية يمكن أن تجعل العلاقة أكثر عمقًا من مجرد تعاون اقتصادي.

لكن قيمة هذه الشراكة ستظل مرتبطة بقدرة مصر على تحويلها إلى مكاسب وطنية مستدامة، وبقدرة الصين على التعامل مع القاهرة كشريك كامل، لا كسوق أو مجرد موقع جغرافي.

وهنا تكمن المسألة كلها.

مصر لا تحتاج إلى أن تختار في عالم منقسم بين شرق وغرب، بل تحتاج إلى أن تكون هي نقطة توازن قادرة على التعامل مع الجميع.

والصين لا تحتاج إلى مجرد موطئ قدم في المنطقة، بل تحتاج إلى شراكة مع دولة تستطيع أن تمنح حضورها الإقليمي عمقًا سياسيًا وجغرافيًا.

لذلك، فإن المشهد بين القاهرة وبكين يتجاوز حدود زيارة رئيس إلى عاصمة.

إنه مشهد لدولتين تدركان أن العالم يتغير، وأن الجغرافيا لم تفقد قيمتها، وأن الاقتصاد أصبح سياسة، وأن التكنولوجيا أصبحت قوة، وأن الاستقلال في القرار لا يعني العزلة، بل يعني امتلاك أكبر قدر ممكن من الخيارات.

وفي هذا العالم المتغير، تبدو مصر أمام فرصة لأن تجعل من موقعها الجغرافي وزنًا سياسيًا، ومن تعدد علاقاتها مصدر قوة، ومن شراكاتها الدولية أدوات لخدمة مشروعها الوطني.

أما زيارة شي جين بينغ، فإن قيمتها الحقيقية لن تكون فيما تنتهي إليه أيامها، وإنما فيما يمكن أن يبدأ بعدها.

google-playkhamsatmostaqltradentX