recent
أخبار ساخنة

التقاضي الإلكتروني.. ما له وما عليه


 

هل تدخل العدالة المصرية عصر المحكمة بلا ورق؟

كتبت : مروة محمد عبد المنعم

وهل سيؤثر التقاضي الإلكتروني على دور المحامي؟

منذ عقود طويلة، كانت وسوف تظل تعانق أبصارنا وأسماعنا صورة دار القضاء العالي؛ ذلك المبنى العريق ذو المهابة الشامخة والخالدة، المكلل برمز العدالة وكفتيها، وتلك المرأة المعصوبة العينين، والكلمة المؤثرة: «محكمة».

بين منصة هيئة المحكمة، ومنصة ممثل النيابة العامة، ومكان وقوف المحامي أمام منصة هيئة المحكمة، وقفص الاتهام وأماكن وقوف الشهود، ومقاعد الجمهور، وأمين سر الجلسة والملفات الورقية، وحاجب المحكمة بصيحته المعروفة.

عقود من الزمن مضت، وهذا هو الشكل التقليدي لقاعة المحكمة

 الراسخ في عقولنا، والمحـفور في قلوبنا منذ عقود.

إلى أن تسللت التكنولوجيا الحديثة، واحتلت المنصات الرقمية كل شيء، ولم تعد التكنولوجيا بعيدة عن قاعات المحاكم.

وهنا يطرح نفسه سؤال مهم:

هل ستختصر التكنولوجيا الحديثة طريق العدالة الطويل؟

مع توجه الدولة المصرية نحو التحول الرقمي، تتوسع منظومة العدالة في استخدام المنصات الإلكترونية والتقاضي عن بُعد

 بما يغير تدريجيًا طريقة تعامل المحامي والمتقاضي مع إجراءات الدعوى.

ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة مع الاستعداد لتطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، اعتبارًا من الأول من أكتوبر 2026، بالتزامن مع التوسع في منظومة التقاضي الجنائي عن بُعد.

ماذا يعني التقاضي الإلكتروني؟

ببساطة، هو نقل إجراءات التقاضي من الشكل الورقي التقليدي إلى منظومة رقمية تتيح للمتقاضين والمحامين والجهات القضائية إنجاز ومتابعة الإجراءات إلكترونيًا، بما يسهم في سرعة الإجراءات، وتيسير الوصول إلى العدالة، وتقليل الاعتماد على المستندات الورقية.

ولا يقتصر الأمر على تحويل المستندات الورقية إلى ملفات إلكترونية فحسب، بل يشمل تنفيذ عدد من الإجراءات والاستعلامات والخدمات القضائية عبر المنصات الرقمية.

والجدير بالذكر أن وزارة العدل أتاحت خدمات إلكترونية للمحامين، من بينها الاطلاع على ملفات القضايا، والحصول على صور رقمية من محاضر الجلسات والملفات، والسداد الإلكتروني للرسوم، واستقبال الإخطارات والقرارات والأحكام إلكترونيًا.

كما شهدت منظومة التقاضي الجنائي عن بُعد توسعًا تدريجيًا تجسد من خلال حضور المحامي وبعض أطراف الدعوى عن بُعد

 وفقًا للقواعد المنظمة.

ويبقى السؤال:

ما التحديات التي تواجه هذا النظام؟ وما أبرز أهدافه؟

أهداف التحول الرقمي

تعد أبرز أهداف التحول الرقمي في هذا الصدد، وبشكل عام توفير الوقت والجهد، وتقليل التعامل الورقي، وتسريع الإجراءات والإخطارات، وتحسين حفظ وتداول البيانات القضائية.

وقد يكون ذلك أمرًا إيجابيًا، وخاصة في تسريع سير الإجراءات ومنظومة التقاضي.

لكن في المقابل، تطرح المنظومة تحديات مهمة، خاصة مع تصاعد العديد من الأصوات على وسائل التواصل الاجتماعي وما يصاحب ذلك من مخاوف بشأن تفعيل هذا النظام.

ويأتي في مقدمة هذه التحديات تأمين البيانات القضائية وضمان استمرارية الخدمة، والأهم آلية التعامل مع الأعطال الفنية، في ظل الضغط الشديد المتوقع على هذه المنظومة من جانب المواطنين.

وهو ما يستوجب توفير بنية تحتية قوية، وتحديث كوابل الإنترنت إلى كوابل FTTH الفائقة السرعة، بدلًا من الكوابل النحاسية القديمة، لتجنب الوقوع في العطل الشهير:

«السيستم وقع»!

إلى جانب توفير طاقم عمل من مهندسي الصيانة على أعلى مستوى من الخبرة والجاهزية، وعلى مدار الساعة.

الجانب اللوجستي

من الضروري كذلك تدريب السادة المحامين والمتقاضين على كيفية استخدام هذه التقنية الحديثة، حتى لا يتحول التطور التكنولوجي من وسيلة لتيسير الإجراءات إلى عقبة أمام من لا يمتلك الخبرة الكافية في التعامل معه.

وتبقى الجزئية الأخطر...

الحفاظ على سرية البيانات وملفات الدعاوى القضائية، خاصة في القضايا الجنائية، بما يتطلب وجود منظومة قوية ومحصنة ضد الاختراق، وضمان عدم وصول غير المصرح لهم إلى المعلومات والبيانات القضائية.

هل يلغي التقاضي الإلكتروني دور المحامي؟

هذا السؤال أثار الكثير من اللغط على وسائل التواصل الاجتماعي، وبين جموع المحامين.

والإجابة الأكثر منطقية هنا هي أن التكنولوجيا الحديثة، وبدون شك، لا تلغي دور المحامي، وإنما تحسن طريقة أدائه.

فالمحامي يظل صاحب الدور الأساسي في الدفاع والمرافعة وحماية حقوق موكله، بينما تقتصر التكنولوجيا في هذا الصدد على كونها أداة لتيسير الإجراءات والوصول إلى المعلومات بطريقة أكثر سهولة ويسرًا، واختصار الوقت والجهد.

والسؤال الملكي هنا:

هل تستطيع المحكمة الرقمية أن تجعل العدالة أسرع وأكثر سهولة، دون أن تمس ضمانات الدفاع والمحاكمة العادلة؟

أعتقد، وبعد بحث طويل ومراقبة واطلاع، وحتى بعد استطلاع آراء كثيرة وقراءة مقالات لمتخصصين في هذا الصدد، أن حكمة «التجربة خير برهان» ستظل هي الإجابة عن هذا السؤال.

فهذا السؤال لن تحسمه التكنولوجيا وحدها، وإنما ستكشفه التجربة العملية مع التوسع في تطبيق منظومة التقاضي الإلكتروني.

فالتقاضي الإلكتروني ليس هدفًا في حد ذاته، وإنما وسيلة لإعادة تنظيم إجراءات العدالة.

فالنجاح الحقيقي للمنظومة لن يكون في أن يصبح الملف إلكترونيًا بدلًا من الورقي فقط، وإنما في أن يشعر المواطن والمحامي بأن الإجراءات أصبحت أكثر وضوحًا وسهولة، وأن الوقت الذي كان يضيع في الإجراءات الروتينية يمكن توجيهه إلى جوهر القضية نفسها.

ومع بدء تفعيل حزمة جديدة من خدمات التقاضي الجنائي عن بُعد في أكتوبر 2026، ستكون التجربة العملية هي الاختبار الحقيقي.

التحدي الأكبر والرهان الحقيقي

التحدي الأكبر، في نظري، والرهان الحقيقي سوف يكون على المواطن المصري:

هل سيقبل هذا التحول الرقمي؟

أم سيظل يعتز بالصورة التقليدية لقاعة المحكمة ونظام التقاضي القديم؟

هنا تتجسد المعضلة والصراع بين الأصالة والمعاصرة، والتحول نحو الحداثة، ودخول مصر آفاق الجمهورية الجديدة 2030.

google-playkhamsatmostaqltradentX