بقلم : محمد أبو سيف
بين محاولات التكتم والتستر خوفًا من الوصم المجتمعي، وبيان رسمي كشف التفاصيل أمام العلن، انتهت حياة طفلة لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها قتلاً على يد شقيقها في إحدى قرى مركز الصف بمحافظة الجيزة، لتفتح الحادثة بابًا واسعًا من الجدل حول الآليات الأمنية والقانونية المتبعة في التعامل مع بلاغات تغيب القاصرات.
رحلة البحث والتكتم الحذر
بدأت الواقعة بلاغًا رسميًا حررته أسرة الفتاة عقب اختفائها، بالتوازي مع حملات استغاثة ونشر لصورتها على مجموعات موقع «فيسبوك» في محيط قريتها والقرى المجاورة. وفور العثور عليها بمنطقة العجمي في الإسكندرية، حاول المقربون من الأسرة وأطراف عملية البحث التكتم على التفاصيل، والاكتفاء بإعلان عودتها لأسرتها تجنبًا للنظرة المجتمعية الحادة في البيئة الريفية.
لكن الموقف أخذ منحنى مغايرًا عقب نشر وزارة الداخلية بيانًا رسميًا تضمن تفاصيل ضبط الفتاة مرفقًا بصورتها المموهة وصورة أخرى برفقة أحد معارفها، إضافة إلى نقل تحريات أولية تُفيد بتركها المسكن بإرادتها. ورغم التمويه على الملامح، استطاع أهالي القرية التعرف عليها فورًا لوجود الصورة سلفًا في حملات البحث المتداولة.
صورة أرشيفية للقاتل و القتيلة الأخوات
ضغط مجتمعي ينتهي بجريمة
وفقًا لشهادات قانونية مقربة من العائلة، أدى انتشار التفاصيل عبر الصفحة الرسمية إلى تصاعد الضغوط والوصم المجتمعي على الأسرة، ووصل الأمر إلى مطالبة البعض برحيلهم عن القرية. ولم تتجاوز الساعات معدودة على تسليم النيابة العامة الفتاة لأسرتها عقب إنهاء إجراءات محضر التغيب، حتى أقدم شقيقها على قتلها داخل منزل العائلة، لتقرر النيابة العامة بعد ذلك حبسه 4 أيام على ذمة التحقيقات.
تساؤلات حول غياب آليات الحماية
أثارت الفاجعة انتقادات حقوقية وقانونية تناولت طريقة إدارة الملف من جوانب عدة:
- خطورة التحريات الأولى: الاعتماد على نتائج استدلالية غير نهائية وإعلانها للعلن يؤدي للوصم المبكر قبل استكمال التحقيقات.
- إغفال دوافع الهروب: مطالبات بضرورة تقييم الأسباب التي تدفع القاصرات لترك المنازل، وما إن كانت مرتبطة بالعنف الأسري أو سوء المعاملة.
- تفعيل قانون الطفل: استنادًا للمادتين (96) و(97) من قانون الطفل المصري، يلتزم القانون بتوفير الحماية للطفل المعرض للخطر عبر "لجان حماية الطفولة"، وإيداعه أماكن آمنة عند وجود تهديد على حياته أو سلامته البدنية بدلاً من إعادة تسليمه الفورية للأسرة.
ظاهرة تتكرر ودراسات تحذر
لا تُعد هذه الواقعة الأولى من نوعها؛ إذ تسجل الأرشيفات الصحفية والبيانات الرسمية حالات متكررة لقاصرات يغادرن منازلهن بسبب الخلافات الأسرية أو سوء المعاملة، ويُعاد تسليمهن لذويهم بعد أخذ تعهدات بحسن الرعاية، وهو ما أثبتت عدة وقائع عدم كفايته لحمايتهن من التعذيب أو الانتقام.
وتؤكد دراسة صادرة عن جامعة الفيوم (2018) حول الجرائم المرتبطة بما يُسمى "دواعي الشرف"، أن نحو 57% من الحالات الموثوقة بالعينة انتهت بجرائم قتل، مشيرة إلى أن ترك المنزل كان سببًا مباشرًا في 7.5% من تلك الجرائم، فيما تصدر الإخوة قائمة المرتكبين بنسبة 33%.
تضع جريمة "الصف" السلطات الأمنية والقضائية أمام ضرورة إعادة النظر في قواعد نشر بيانات القاصرين، وتفعيل بيوت الرعاية والتقييم النفسي والاجتماعي قبل اتخاذ قرارات تسليم الأطفال لذويهم في القضايا الحساسة.

