كتبت/سلسبيل حمد
مش كل واحد اتوجع قرر يوجّع غيره.
في ناس خرجت من تجاربها وهي فاهمة إن الوجع مش مبرر، وإن اللي اتعمل فيها مش لازم يتكرر على إيدها مع شخص تاني.
اتخذلوا، لكن ما بقوش خونة.
اتكسروا، لكن ما بقوش بيكسروا غيرهم.
اتسابوا وقت احتياجهم، لكن لما قدروا يساعدوا غيرهم، ما عملوش نفس اللي اتعمل فيهم.
ودي مش سذاجة، ولا ضعف شخصية، ولا عجز عن رد الأذى.
دي قدرة نادرة على إن الإنسان يفصل بين اللي حصل له وبين اللي هو عايز يبقى عليه.
لأن أسهل رد فعل بعد الخذلان إنك تقفل قلبك وتقول: «خلاص، أنا اتعلمت.»
لكن أحيانًا الإنسان ما بيكونش اتعلم.. هو بس اتأذى لدرجة إنه قرر يعاقب العالم كله على ذنب شخص واحد.
فيتحول الحذر إلى قسوة، والكرامة إلى غرور، والقوة إلى رغبة في الانتقام، ويبدأ يبرر لنفسه كل تصرف مؤذٍ بجملة واحدة: «أنا شفت كتير.»
لكن إنك شفت كتير مش معناه إنك لازم تبقى واحد من اللي أذوك.
نقاء القلب مش إنك ما تعرفش الناس.
بالعكس، ممكن تكون عارف كويس مين صادق ومين بيمثل، ومين بيحبك ومين بيحب مصلحته، ومين يستحق قربك ومين مكانه بعيد.
ومع كل ده، تختار إنك ما تستخدمش معرفتك بالناس لإيذائهم.
تضع حدودًا، نعم.
تنسحب، نعم.
تقول «لا» من غير إحساس بالذنب، نعم.
لكن ما تتحولش إلى شخص يفرح بوجع غيره لمجرد إنه ذاق الوجع قبل كده.
الخير الحقيقي مش إنك تفضل متاحًا لكل الناس، ولا إنك تسامح كل شخص، ولا إنك تسمح لأحد بتكرار أذاه.
الخير أحيانًا يكون في إنك تخرج من علاقة مؤذية من غير ما تحمل معك رغبة في الانتقام.
وفي إنك تعرف قيمة قلبك من غير ما تعتبر قلوب الآخرين بلا قيمة.
وفي إنك تساعد شخصًا، حتى لو كنت أنت في يوم من الأيام محتاجًا ولم تجد من يساعدك.
لأن بعض الناس لا يفهمون معنى الخير إلا بعد أن يفقدوا الشخص الذي كان يفعله معهم.
لكن الخير لا يحتاج ذاكرة من الآخرين حتى يصبح حقيقيًا.
قد تنسى أنت موقفًا عملته من سنين، بينما يظل شخص آخر يتذكره لأنه جاء في اللحظة التي كان محتاجًا فيها لأي سبب يخليه يكمل.
وده يمكن يكون أجمل ما في الإنسان:
إنه يترك أثرًا طيبًا في حياة شخص، من غير ما يقعد مستني شهادة تقدير.
كل شيء تقريبًا قابل للرحيل؛ الأشخاص، العلاقات، الأماكن، وحتى تفاصيل الحكايات.
لكن الأثر لا يرحل بنفس السرعة.
ممكن وجهك يتنسى، وصوتك يتنسى، لكن يفضل في ذاكرة أحدهم أنك كنت الشخص الذي لم يحرجه وهو ضعيف، أو لم يفضحه وهو مخطئ، أو مد له إيده في وقت لم يكن معه أحد.
عشان كده، مش كل اللي اتوجع بقى قاسي.
في ناس الوجع علّمها الرحمة، والخيانة علّمتها الوفاء، والوحدة علّمتها ألا تترك أحدًا وحيدًا، والخذلان علّمها ألا تكون سببًا في خذلان إنسان آخر.
وهؤلاء لم تفسدهم الحياة..
فقط جعلتهم أكثر وعيًا بمن يستحق أن يدخل قلوبهم، وأكثر حرصًا على ألا يصبحوا نسخة من الذين آذوهم.
وده مش ضعف.
ده انتصار هادئ جدًا..
أن تتغير من غير ما تفقد نفسك.
