recent
أخبار ساخنة

لم لا؟حين تتحول «لم لا؟» من حلم بالنجاح إلى رؤية لإصلاح المجتمع


كتب - د. ضياء الرفاعي

أشار جورج برنارد شو ذات مرة إلى فكرة شهيرة تقول:

إن بعض الناس ينظرون إلى الأشياء الموجودة بالفعل ويتساءلون: لماذا؟

بينما يحلم آخرون بأشياء لم تتحقق بعد، ويتساءلون: لم لا؟

ومن هنا جاءت فلسفة «لم لا؟»؛ تلك النظرة التي ترى الإمكانات قبل أن ترى العوائق، وتبحث عن الشيء الذي يمكن أن يكون، لا عن الشيء الموجود فقط.

أعتقد أن «لم لا؟» لا ينبغي أن تكون مرتبطة بالنجاح والثروة والشهرة فقط، بل يجب أن تمتد إلى الأخلاق والسلوك وجميع مناحي الحياة اليومية.

نحن نعيش في زمن أصبحت فيه التوقعات الاجتماعية والإعلامية تضغط بشدة على الشباب؛ فهناك من يربط النجاح بالمال السريع، ومن يربطه بالمظهر والشهرة وعدد المتابعين، حتى أصبح بعض الشباب يشعرون بأن عليهم أن يمتلكوا كل شيء بسرعة، وبأي طريقة.

وأصبح الحديث عن التوازن والأخلاق أكثر صعوبة، لكنه في الوقت نفسه أصبح أكثر ضرورة.

ودائمًا نسأل أنفسنا:

لم لا تكون الشوارع أكثر احترامًا؟

لم لا نرى شابًا يقف في الشارع فيحترم المارة؟

لم لا يتوقف البعض عن مضايقة الفتيات أو استخدام الألفاظ الخارجة؟

لم لا يقود أصحاب السيارات والدراجات النارية بهدوء ومسؤولية، بدلًا من السرعة والتهور وتعريض حياتهم وحياة الآخرين للخطر؟

لم لا يصبح احترام الطريق ثقافة، وليس مجرد التزام خوفًا من المخالفات المفروضة؟

ولماذا أصبح السير عكس الاتجاه أمرًا عاديًا عند البعض؟

وعندما تسأله: لماذا فعلت ذلك؟

يأتي الرد سريعًا: «معلش».

حتى أصبحت كلمة «معلش» عند البعض وكأنها تصريح لتكرار الخطأ.

لكن الحقيقة أن «معلش» لا تصلح الخطأ، ولا تعيد حقًا، ولا تمنع حادثًا، ولا تعيد الحياة لمن فقدها بسبب التهور.

لم لا نقول ببساطة: أنا أخطأت، ولن أكرر الخطأ؟

لم لا نحاول أن نعيد للشارع مساحة من الاحترام والخصوصية والذوق العام؟

الحرية حق، والاختيار حق، والجمال ليس جريمة، لكن في المقابل هناك أيضًا مفهوم اسمه الاحتشام ومراعاة الذوق العام.

ولا يصح أن نحمّل فتاة أو سيدة مسؤولية سلوك شخص يعاكسها أو يتحرش بها؛ فالمسؤولية الأخلاقية والقانونية تقع على المعتدي.

لكن في الوقت نفسه، لا يمكننا أن نضع النار بجوار البنزين.

يمكننا أن نسأل أنفسنا جميعًا:

لم لا نختار ما يجمع بين الأناقة والاحتشام؟

ولم لا نربي أبناءنا وبناتنا على احترام أجسادهم وأجساد الآخرين، وعلى أن قيمة الإنسان أكبر بكثير من مظهره؟

لم لا يكون العمل أفضل من التسول؟

أصبح التسول في بعض الأماكن ظاهرة واضحة، وتحول عند بعض الأشخاص من وسيلة اضطرارية إلى مهنة منتظمة.

وقد يكون هناك محتاج حقيقي يستحق المساعدة، وهذا أمر لا يمكن إنكاره.

فالمال الذي يأتي بلا تعب قد يذهب بلا حساب، بينما المال الذي يأتي من عمل وكفاح غالبًا ما تكون له قيمة مختلفة في نفس صاحبه.

لم لا تكون أخلاقنا أقوى من غضبنا؟

في الجامعات والمدارس وأماكن العمل، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح من السهل أن يتحول اختلاف بسيط في الرأي إلى سب وإهانة وتجريح.

كلمة واحدة قد تشعل مشاجرة.

واختلاف في الرأي قد يتحول إلى كراهية.

لم لا أختلف معك دون أن أهينك؟

لم لا أستطيع أن أقول: «أنا لا أتفق معك»، دون أن أقول: «أنت لا تفهم»؟

فكنا نقول سابقًا: «اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية».

لم لا يكون الأكبر سنًا محل احترام، والأصغر سنًا محل احتواء وتوجيه؟

ولماذا أصبح رفع الصوت عند البعض دليل قوة، بينما الحقيقة أن القدرة على ضبط النفس هي إحدى علامات قوة الشخصية؟

وقد قال رسول الله ﷺ:

«ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».

لم لا نستخدم التكنولوجيا لصالحنا؟

لم لا تكون وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة للتعلم بدلًا من إضاعة الساعات؟

لم لا نستخدم الهاتف للتواصل مع من نحب، أو تعلم مهارة، أو قراءة كتاب، بدلًا من أن يصبح وسيلة للمقارنة والحسد والاستعراض؟

لم لا نعلّم أبناءنا أن عدد المتابعين لا يساوي قيمة الإنسان؟

وأن الثراء الحقيقي لا يكون فقط فيما تملك، وإنما فيما تستطيع أن تقدمه وتتركه خلفك؟

لم لا نقف في الطوابير دون أن يحاول أحد أن يتقدم على الآخرين؟

لم لا نحافظ على نظافة الشارع كما نحافظ على نظافة بيوتنا؟

لماذا نلقي القمامة في الشارع ثم نشتكي من سوء النظافة؟

لم لا نحافظ على الممتلكات العامة وكأنها ملك لنا؟

لم لا نلتزم بمواعيدنا؟

لم لا نعتذر عندما نخطئ؟

لم لا نرد الحقوق إلى أصحابها؟

هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع في النهاية مجتمعًا كبيرًا ومحترمًا.

ربما تعودنا أن نستخدم «لم لا؟» عندما نريد أن نحقق شيئًا لأنفسنا، ولكن لم لا نبدأ بأنفسنا بدلًا من أن ننتظر أن يبدأ الآخرون؟

فالمجتمع ليس شخصًا آخر نلومه؛ المجتمع هو أنا وأنت وهو وهي.

وإذا كان كل واحد منا ينتظر أن يتغير الآخر أولًا، فلن يتغير شيء.

قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

أما إذا قال كل واحد منا: لماذا لا أبدأ أنا؟

فربما تبدأ الحكاية.

تساؤل «لم لا؟» هو رؤية لاحتمال أن يكون واقعنا أفضل مما هو عليه الآن.

لم لا نحلم بمجتمع أكثر أخلاقًا، ونعمل من أجله؟

لم لا نكون نحن النموذج الذي نبحث عنه في الآخرين، ونربي أبناءنا على ذلك؟

إذا كنا نسأل أنفسنا باستمرار: لم لا أصبح غنيًا؟ ولم لا أحقق أحلامي؟

فلماذا لا نسأل أيضًا:

لم لا أكون إنسانًا أفضل، ويكون أخلاقي جزءًا لا يتجزأ من نجاحي؟

لم لا أكون أكثر احترامًا للآخرين والقانون؟

ربما يكون هذا السؤال البسيط: «لم لا؟» هو بداية التغيير.


google-playkhamsatmostaqltradentX