recent
أخبار ساخنة

عبور الجغرافيا وإعادة رسم التاريخ كيف صاغت أكتوبر 1973 خريطة مصر السياسية والمعاصرة


 


دراسة وتحليل /منى منصور السيد 


في لحظة فارقة من زحام التاريخ، حيث التقت إرادة الضوء بصلابة المانع المائي، لم تكن صيحة العبور في السادس من أكتوبر عام 1973 مجرد كسر لتصلب خط "بارليف" أو إشهار لانتهاء حِقبة الكابوس الثقيل المسمى "لا حرب ولا سلم"، بل كانت زلزالاً هيكلياً أعاد رسم الخرائط الجيوسياسية لمصر في أعماق جغرافيتها الداخلية ومحيطها الإقليمي والدولي. إن المعمار السياسي والمعاصر للدولة المصرية لم يستقر على هيئته الحالية إلا بعد أن انفتحت طاقات القوة في خطة "بدر"، متجاوزة الانكسار التكتيكي لترسي معادلة جديدة كلياً؛ معادلة نقلت البلاد من ضفة المواجهة المفتوحة والنظام الموجه إلى رحاب الدبلوماسية الدولية والتعددية الحزبية والانفتاح الاقتصادي، لتغدو الحرب نقطة الارتكاز الأهم التي يدور حولها محرك التاريخ المصري الحديث.


كان الفعل العسكري المباغت، بالتنسيق الإستراتيجي المحكم مع الجبهة السورية، نقطة الانطلاق الحاسمة؛ حيث اندفعت القوات المسلحة المصرية تقتحم المانع المائي وتثبت رؤوس كباري بعمق يتراوح بين عشرة إلى خمسة عشر كيلومتراً شرق القناة، مهدمةً أسطورة "الحدود الآمنة" ومفهوم الردع المطلق الذي استندت إليه إسرائيل منذ عام 1967. ولم تكن هذه الخطوة العسكرية سوى المفتاح لغرفة المفاوضات المعتمة، إذ حركت الركود الدولي ليتلاحق صدور قرار مجلس الأمن رقم 338، ثم مفاوضات الكيلو 101، وصولاً إلى اتفاقيات فض التشابك العسكري الأول والثاني عامي 1974 و1975، والتي أثمرت عن إعادة فتح قناة السويس للملاحة العالمية. ولم تتوقف هذه الديناميكية حتى توجت بمبادرة السادات لزيارة القدس عام 1977، ثم اتفاقيات "كامب ديفيد" عام 1978، وصولاً إلى توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، وهي السلسلة السياسية التي تكاملت حلقاتها باستعادة السيادة الكاملة على تراب سيناء، وصولاً إلى انتزاع طابا عبر التحكيم الدولي عام 1989.


ولم ينحصر تأثير هذا العبور العسكري في استعادة الأرض، بل امتد ليعيد تموضع التحالفات الدولية لمصر بشكل جذري؛ فقد شكل إنهاء الوجود العسكري السوفيتي وطرد الخبراء تحولاً حاسماً ثبتت أركانه بعد الحرب، لتغادر القاهرة المظلة السوفيتية وتتجه نحو تأسيس شراكة إستراتيجية وثيقة مع واشنطن. وعلى الضفة الاقتصادية والاجتماعية، فرضت تبعات الحرب الانتقال المباشر من اقتصاد الحرب والاشتراكية الموجهة إلى سياسة "الانفتاح الاقتصادي"، رغبةً في جذب الاستثمارات وإعادة بناء البنية التحتية، وهو التغيير الهيكلي الذي أعاد تشكيل الخريطة السياسية الداخلية عبر التحول من نظام التنظيم السياسي الواحد إلى المنابر ثم التعددية الحزبية، متزامناً مع تنامي دور القطاع الخاص وإعادة ترتيب طبقات المجتمع.


غير أن قراءة هذا التحول التاريخي تستدعي التقاء السرديات وتحليل الأرشيفات المتعددة لتفكيك المشهد بدقة بيانية؛ فالوثائق الرسمية المصرية – التي تحمل مصداقية عالية تقارب الاثنين وتسعين بالمائة – تؤكد أن الحرب كانت عملية تخطيط استراتيجي محكم لاستعادة الأرض والكرامة وإجبار الخصم على التفاوض، وإن كانت السرديات العامة قد ركزت على إنجاز العبور وتجاوزت نسبياً ثغرة الدفرسوار. وفي المقابل، تجسد السجلات العسكرية الإسرائيلية وتحقيقات "لجنة أجرانات" – بمصداقية تُقدَّر بثمانٍ وثمانين بالمائة – حجم الصدمة والمفاجأة الاستخباراتية، محاولةً التركيز على التعافي التكتيكي المتأخر للتقليل من عمق الانكسار الإستراتيجي. أما وثائق الأرشيف الأمريكي وكيسنجر – التي تحظى بمصداقية تسعين بالمائة – فتظهر كيف فرضت الحرب واقعاً جيوستراتيجياً جديداً استلزم تفكيك التحالف السوفيتي-العربي عبر سياسة الخطوة بخطوة، بينما تعكس المذكرات السوفيتية بمصداقيتها البالغة اثنين وثمانين بالمائة مرارة التحول التكتيكي للسادات نحو واشنطن. وهنا يسقط الادعاء الغربي القائل بأن الحرب كانت محددة بقرار أمريكي مسبق؛ إذ تبرهن الوثائق العسكرية أن القرار والتخطيط كانا مصريين-سوريين خالصين، رغم بقاء بعض المساحات المعتمة التي لم تفصح عنها الوثائق السرية الكاملة حتى الآن، كالتفاصيل الدقيقة للقنوات الخلفية التي سبقت السادس من أكتوبر، وعمق التوافق الفعلي بين القيادتين المصرية والسورية حول الأهداف الزمنية للحرب.


إن أداء الفاعلين الأساسيين في هذه المحطة التاريخية كشف عن تحولات إستراتيجية عميقة؛ فقد انتقلت مصر بفضل عقيدتها العسكرية وقدراتها التخطيطية من دولة مواجهة عسكرية إلى صانع رئيسي للسلام ومبادر بالوساطة الإقليمية، بينما اضطرت إسرائيل أمام انهيار نظرية حدودها الآمنة للتخلي عن سيناء مقابل ترتيبات أمنية واستقرار معاهد، ونالت الولايات المتحدة الانفراد برعاية عملية السلام وإزاحة النفوذ السوفيتي. ونتج عن ذلك سلسلة من الآثار الممتدة؛ فإلى جانب استخدام النفط العربي كأداة ضغط جيوسياسية دولية، تحولت مصر إلى ضامن إقليمي لإدارة الأزمات في الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، وعادت لتستعيد مقر جامعة الدول العربية في القاهرة بعد تجميد مؤقت، بالتوازي مع تنويع عقيدة تسليح قواتها المسلحة لتظل القوة الرادعة وحامية السلام.


وعند استشراف الآفاق الجيوسياسية القادمة عبر الاستدلال الاحتمالي الواعي، يبرز السيناريو الأساسي بدرجة ثقة ترجح كفته بين خمسة وستين إلى خمسة وسبعين بالمائة؛ وهو سيناريو ثبات الدور المحوري لمصر كركيزة أمان إقليمية تستند إلى الالتزام بمعاهدة السلام مع استمرار تنويع الشراكات الدولية وتحديث القدرات الدفاعية الشاملة. غير أن هذا المسار لا يلغي احتمال سيناريو تصعيدي بنسبة تتراوح بين خمسة عشر وعشرين بالمائة، إذا ما اتسعت المواجهات الإقليمية الحادة على الحدود الشرقية بما يفرض إعادة تكييف القوات وانتشارها الميداني لحماية الحدود الوطنية. كما يظل سيناريو التكامل الإقليمي ممكناً بنسبة عشرة إلى خمسة عشر بالمائة عبر تحول مصر لمركز إقليمي للطاقة والربط الكهربائي، في حين يستقر سيناريو "البجعة السوداء" المنخفض الاحتمال عند أقل من خمسة بالمائة محذراً من انهيار أمني إقليمي شامل قد يفرض إعادة تشكيل التوازنات من جديد.


إن مراقبة التطورات القادمة تظل مرهونة بمؤشرات دقيقة؛ في مقدمتها حجم ونوعية انتشار القوات المسلحة في مناطق سيناء المختلفة (أ، ب، ج، د) وفق التفاهمات المشتركة لمواجهة التهديدات الحديثة، ومستوى التدفقات الاستثمارية في شبه جزيرة سيناء لربطها بالكامل بالكتلة الوطنية، وموازنات العلاقات مع القوى العظمى بين واشنطن وبكين وموسكو، إلى جانب حماية الأمن البحري في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وهي جميعها متغيّرات تؤكد بثقة تاريخية جازمة تبلغ خمسة وتسعين بالمائة للحقائق وتسعين بالمائة للاستشراف، أن حرب أكتوبر 1973 لم تكن مجرد جولة عسكرية وانتهت، بل كانت البوتقة التي انصهرت فيها الإرادة المصرية لتعيد صياغة خريطة البلاد السياسية، وترسخ مكانتها كفاعل إقليمي وقوة رادعة لا يمكن تجاوزها في معادلات الحاضر وآفاق المستقبل.

google-playkhamsatmostaqltradentX