recent
أخبار ساخنة

«حمزة-1».. من شراكة التصنيع إلى بوابة الأسواق الدولية

 


بقلم : الدكتورة إيناس عمر الصاوي 

لم تعد الطائرات المسيّرة في منظومة القوة العسكرية الحديثة مجرد أدوات للاستطلاع أو منصات جوية منخفضة التكلفة، بل تحولت إلى أحد أهم مكونات التحول في طبيعة العمليات العسكرية، لما توفره من مرونة في تنفيذ المهام، وقدرة على العمل لفترات ممتدة، وإمكانية دمجها مع منظومات القيادة والسيطرة والاستشعار والاتصال.

وفي هذا السياق، تكتسب المسيّرة المصرية ـ التركية «حمزة-1» أهمية تتجاوز حدود المنصة ذاتها، لأنها تمثل نموذجًا لتعاون صناعي انتقل من مرحلة التطوير والإنتاج المشترك إلى مرحلة التسويق التجاري.

وفي سبتمبر 2026، وقعت الهيئة العربية للتصنيع وشركة «هافيلسان» التركية اتفاقًا يتعلق ببيع «حمزة-1»، وذلك خلال معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء، في خطوة تمثل مرحلة جديدة في مسار التعاون الذي بدأ باتفاق استراتيجي في أغسطس 2025، للإنتاج المشترك في مصر لطائرات مسيّرة ذاتية التشغيل قادرة على الإقلاع والهبوط العمودي.

وكانت المنظومة قد ظهرت للمرة الأولى بصورة معلنة خلال معرض «إيديكس 2025» في القاهرة.



من المنتج المشترك إلى المنتج القابل للتسويق

لا تكمن الأهمية الأساسية في تطور برنامج «حمزة-1» فقط في توقيع اتفاق البيع، وإنما في انتقال المشروع إلى مرحلة مختلفة من دورة حياة المنتج الدفاعي.

فالمشروع الدفاعي يبدأ عادة من فكرة أو حاجة عملياتية، ثم ينتقل إلى البحث والتطوير، وبعدها إلى الاختبارات والإنتاج، قبل أن يصل إلى مرحلة التقييم التجاري والتصدير.

وعندما يصل منتج عسكري إلى مرحلة التسويق الخارجي، فإن ذلك يعني أن الشراكة الصناعية أصبحت مطالبة بتحويل التكنولوجيا إلى منتج يمكن إنتاجه بصورة مستقرة، ودعمه فنيًا وتطويره وفق احتياجات مستخدمين مختلفين.

وهنا تظهر القيمة الحقيقية للتجربة المصرية ـ التركية؛ إذ لم تعد العلاقة مقتصرة على الحصول على منصة جاهزة، وإنما اتجهت إلى الجمع بين الخبرة الهندسية والتكنولوجية لشركة «هافيلسان» والقدرات التصنيعية المحلية للهيئة العربية للتصنيع.

وهذا النموذج يمكن أن يمثل أحد المسارات المهمة أمام الصناعات الدفاعية في الدول التي تسعى إلى تقليل الاعتماد على الاستيراد والانتقال تدريجيًا من دور المستخدم إلى دور المنتج والشريك الصناعي.

لماذا تمثل القدرة على الإقلاع والهبوط العمودي عنصرًا مهمًا؟

تتمتع المسيّرات ذات الإقلاع والهبوط العمودي بميزة عملياتية مهمة، تتمثل في عدم اعتمادها بالضرورة على مدارج تقليدية طويلة، وهو ما يمنحها مرونة أكبر في العمل من مواقع متنوعة.

وتزداد أهمية هذه الخاصية في البيئات التي تتطلب انتشارًا سريعًا أو تنفيذ مهام من مناطق محدودة المساحة، أو إعادة توزيع الوحدات الجوية وفق تطورات الموقف العملياتي.

لكن القيمة العسكرية للمسيّرة الحديثة لا تتحدد بطريقة الإقلاع والهبوط وحدها؛ فالقدرة الحقيقية تتشكل من منظومة متكاملة تشمل الملاحة، والتحكم، والاتصالات، والاستشعار، والبرمجيات وإدارة المهمة، وقدرة المنصة على العمل ضمن شبكة عملياتية أوسع.

ومن هنا، فإن مستقبل «حمزة-1» لا يرتبط فقط بالهيكل الطائر وإنما بقدرتها على التطور المستمر من خلال البرمجيات والحمولات وأنظمة المهمة.

الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف قيمة المسيّرات

أحد التحولات الجوهرية في عالم الطائرات غير المأهولة هو انتقال مركز الثقل من المكونات الميكانيكية إلى البرمجيات والأنظمة الذاتية.

فالمسيّرة الحديثة لم تعد مجرد طائرة يتحكم فيها مشغل عن بُعد بل يمكن أن تصبح جزءًا من منظومة أكثر تعقيدًا تعتمد على معالجة البيانات، وتحديد المسارات، وتحليل المعلومات القادمة من المستشعرات، والمساعدة في اتخاذ القرار، والعمل ضمن بيئة شبكية.

وهذا يجعل الخبرة التي تراكمت لدى «هافيلسان» في مجال الأنظمة الذاتية عنصرًا مهمًا في التعاون، في حين توفر البنية الصناعية المصرية قاعدة يمكن من خلالها تطوير التصنيع المحلي وإتاحة فرص للتحديث والتخصيص مستقبلًا.

وتشير المصادر المتاحة إلى أن برنامج «حمزة-1» استفاد من الخبرات التكنولوجية والهندسية التي طورتها «هافيلسان» عبر عدد من منصاتها غير المأهولة.

وبذلك يمكن النظر إلى المشروع باعتباره تعاونًا في منظومة التكنولوجيا، وليس مجرد تعاون في تصنيع هيكل طائرة.

البعد الصناعي: التوطين قبل التصدير

تمثل هذه النقطة ربما أهم أبعاد المشروع بالنسبة إلى مصر.

فالتصدير الدفاعي لا يبدأ لحظة توقيع عقد البيع، وإنما يبدأ قبل ذلك بسنوات من بناء القدرات الصناعية، وتأهيل خطوط الإنتاج وتطوير الموارد البشرية، وتوفير منظومة للصيانة والدعم والتحديث.

وعندما تشارك الصناعة المحلية في إنتاج منظومة عسكرية بالتعاون مع شريك يمتلك خبرة تكنولوجية متقدمة، فإن القيمة المضافة لا تقتصر على المنتج النهائي، بل تمتد إلى الخبرات الهندسية، وسلاسل الإمداد، والاختبارات، والصيانة، والتطوير والقدرة على تعديل المنتج وفق احتياجات المستخدم.

ومن ثم، فإن «حمزة-1» يمكن أن تكون جزءًا من مسار أوسع نحو تعميق التصنيع المحلي للطائرات غير المأهولة، خصوصًا أن الاتفاق الأصلي بين الجانبين استهدف الإنتاج المشترك داخل مصر.

لماذا يمثل التسويق الخارجي مرحلة استراتيجية؟

هناك فارق كبير بين إنتاج منظومة للاستخدام المحلي وإنتاج منظومة تمتلك قابلية للتصدير.

فالمنتج الموجه إلى الأسواق الخارجية يحتاج إلى أن يكون قادرًا على المنافسة وفق أكثر من معيار، من بينها السعر، والاعتمادية وسهولة التشغيل، ومنظومة الدعم، والقدرة على التحديث، والمرونة في دمج الحمولات، وتوافر قطع الغيار والخدمات التدريبية.

كما أن نجاح المنتج في سوق خارجية يمنحه قيمة إضافية تتجاوز العائد الاقتصادي المباشر، لأنه يفتح المجال أمام بناء شبكة من العلاقات الصناعية والعسكرية والتكنولوجية مع الدول المستخدمة.

ولهذا، فإن دخول «حمزة-1» المرحلة التجارية يمكن قراءته باعتباره اختبارًا لقدرة نموذج التعاون المصري ـ التركي على التحول إلى نموذج تصديري قابل للتكرار.

مصر كبوابة صناعية للأسواق العربية والأفريقية

تمتلك مصر موقعًا جغرافيًا وصناعيًا يمكن أن يمنحها ميزة مهمة في مجال الصناعات الدفاعية الموجهة إلى الأسواق الإقليمية.

فوجود قاعدة صناعية محلية قادرة على إنتاج منظومات غير مأهولة بالتعاون مع شركاء دوليين، يتيح مستقبلًا تطوير منتجات تتلاءم مع طبيعة المهام والبيئات التشغيلية المختلفة.

كما أن التوسع في صناعة المسيّرات يمكن أن يخلق منظومة صناعية فرعية تشمل الإلكترونيات، والاتصالات، والبرمجيات وأجهزة الاستشعار، وأنظمة الملاحة، والبطاريات، والمواد المركبة، ومراكز الصيانة والتدريب.

وبالتالي، فإن الأثر الاقتصادي والصناعي المحتمل لا يرتبط بعدد الطائرات التي يمكن بيعها، وإنما بحجم المنظومة التكنولوجية التي يمكن أن تنشأ حولها.

الشراكة المصرية ـ التركية.. من التعاون إلى بناء القدرات

يحمل برنامج «حمزة-1» دلالة أوسع على تطور التعاون الدفاعي والصناعي بين مصر وتركيا.

فالتعاون في الصناعات الدفاعية يختلف عن التعاون التجاري التقليدي، لأنه يتطلب درجة مرتفعة من الثقة، وتنسيقًا في المعايير الفنية، وتحديدًا واضحًا لمسؤوليات التصميم والإنتاج والدعم والتطوير والتسويق.

ومن هذه الزاوية، فإن الانتقال من اتفاق التعاون الصناعي الذي أُبرم في 2025 إلى اتفاق البيع في 2026، يعكس سرعة لافتة في تحويل التعاون إلى منتج ملموس قابل للدخول في دورة تجارية.

المستقبل الحقيقي يبدأ بعد البيع

رغم أهمية الاتفاق، فإن نجاح «حمزة-1» لن يقاس فقط بعدد الوحدات التي سيتم بيعها.

فالمؤشر الأهم سيكون قدرة البرنامج على الاستمرار في التطوير.

السوق العالمية للمسيّرات شديدة التنافس، والتكنولوجيا تتغير بسرعة، وما يمثل ميزة تنافسية اليوم قد يصبح معيارًا تقليديًا خلال فترة قصيرة.

لذلك، فإن استمرار الاستثمار في البرمجيات والأنظمة الذاتية وتحسين المستشعرات والاتصالات، وتطوير الحمولات، ورفع الاعتمادية، وتوفير منظومات تدريب وصيانة متكاملة، سيكون حاسمًا في تحويل «حمزة-1» إلى منتج طويل العمر في السوق الدولية.



كما أن طبيعة اتفاق البيع المعلن لا تتضمن، وفق المعلومات المتاحة، تفاصيل علنية عن الكميات أو القيمة المالية أو جدول التسليم؛ وبالتالي، فإن تقييم النجاح التجاري الكامل للبرنامج سيحتاج إلى انتظار ظهور مؤشرات إضافية تتعلق بالمستخدمين الفعليين وحجم التعاقدات والإنتاج.

«حمزة-1».. اختبار لنموذج صناعي جديد

في النهاية، يمكن النظر إلى «حمزة-1» باعتبارها أكثر من طائرة مسيّرة جديدة في سوق يشهد توسعًا متسارعًا.

إنها تجربة لاختبار نموذج يقوم على تلاقي التكنولوجيا الأجنبية مع القدرة الصناعية المحلية، ثم تحويل هذا التلاقي إلى منتج مشترك قابل للتطوير والتسويق.

وهنا تكمن القيمة الاستراتيجية للمشروع.

فإذا نجح النموذج في الانتقال من تطوير منصة واحدة إلى بناء قاعدة مستدامة لتصميم وتصنيع وتحديث منظومات غير مأهولة فإن أثره سيتجاوز «حمزة-1» نفسها، ليصل إلى بناء خبرات صناعية وتكنولوجية يمكن توظيفها في أجيال لاحقة من الأنظمة الجوية غير المأهولة.

وبذلك تصبح المسيّرة نقطة بداية لمسار أوسع:

من امتلاك التكنولوجيا إلى توطينها، ومن توطينها إلى إنتاجها ومن الإنتاج إلى تطويرها، ثم من التطوير إلى المنافسة في الأسواق الدولية.

وهذا هو التحول الأكثر أهمية الذي يمكن أن يحمله مشروع «حمزة-1» بالنسبة إلى مستقبل التعاون الصناعي الدفاعي المصري ـ التركي.

google-playkhamsatmostaqltradentX