recent
أخبار ساخنة

«الصحيفة لا تموت من الهاتف.. تموت حين لا يجد القارئ سببًا لشرائها»



كتبت - سلسبيل حمد

لم تعد أزمة الصحيفة الورقية تُقاس بعدد النسخ التي تُطبع كل صباح، وإنما بعدد القراء الذين ما زالوا يرون في شراء الصحيفة فعلًا له معنى.

هذه هي النقطة التي تتجنبها كثير من المؤسسات الصحفية.

فالحديث عن ارتفاع أسعار الورق والحبر والطباعة والنقل والتوزيع صحيح، لكنه لا يشرح وحده لماذا تراجعت جاذبية الصحيفة لدى قطاع من الجمهور. هناك فاتورة أخرى لا تظهر في حسابات المطبعة: فاتورة الزمن.

القارئ تغيّر.

كان ينتظر الصحيفة لكي يعرف، وأصبح اليوم يحتاج إليها لكي يفهم.

وبين الأمرين مسافة كبيرة.

وضع الهاتف الخبر في متناول الجميع، لكنه في الوقت نفسه أغرق القارئ في كمّ هائل من المعلومات المتلاحقة. 

عشرات العناوين تمر أمام عينيه، وبعضها يتغير قبل أن ينتهي من قراءة الأول. وفي هذا الزحام، لم تعد المشكلة أن الناس لا يعرفون ما يحدث، بل إنهم يجدون صعوبة في معرفة ما يستحق أن يتوقفوا أمامه.

وهنا تحديدًا يمكن للصحيفة الورقية أن تجد لنفسها مكانًا جديدًا.

ليس باعتبارها أسرع من الهاتف؛ فهي لن تفعل.

وليس باعتبارها أرخص؛ فهي في الغالب لن تكون كذلك.

ولكن باعتبارها مساحة أكثر هدوءًا في زمن يزداد فيه الضجيج.

فالصحيفة التي تطبع خبرًا نشرته المنصات الإلكترونية قبل يوم، ثم تضعه في الصفحة الأولى، لا تقدم للقارئ سببًا كافيًا لدفع ثمن النسخة. أما الصحيفة التي تذهب خلف الخبر، وتبحث في خلفياته، وتضع الأرقام في سياقها، وتسأل الأسئلة التي لم تُطرح، فهي لا تبيع ورقًا إنها تقدم عملًا صحفيًا له وزن.

المشكلة إذن ليست في الورقة وحدها.

المشكلة في ماذا نضع عليها.

هناك صحف يمكن للقارئ أن يشعر بقيمتها بمجرد أن ينتهي من قراءتها، وهناك صحف تنتهي قيمتها بمجرد أن يطوي صفحتها الأخيرة.

كما أن تغيّر سلوك الجمهور لا يعني بالضرورة أن القارئ أدار ظهره للصحافة. فكثير من القراء ما زالوا يبحثون عن المعلومة الموثوقة، لكنهم أصبحوا أكثر انتقائية وأقل استعدادًا لدفع المال مقابل محتوى متاح في عشرات الأماكن.

وهذا يضع المؤسسات الصحفية أمام اختبار صعب:

هل تخفض عدد الصفحات؟

هل ترفع سعر النسخة؟

هل تقلل تكاليف الطباعة؟

أم تعيد التفكير في المنتج نفسه؟

ربما يكون الخيار الأخير هو الأكثر شجاعة.

فالصحيفة الورقية التي تريد البقاء لا تحتاج إلى معركة مع الهاتف، لأنها معركة خاسرة من البداية. المطلوب أن تقدم شيئًا لا يؤدي الهاتف الدور نفسه فيه بالكفاءة ذاتها: تحقيقًا يستحق القراءة، ورأيًا له صاحبه، وصحافة ميدانية، وملفات تُنجز ببطء، وقضايا لا تُختصر في عنوان سريع.

وقد يكون مستقبل الصحيفة الورقية أصغر مما كان عليه لكنه ليس بالضرورة أضعف.

ربما تتحول من منتج واسع الاستهلاك إلى منتج أكثر تخصصًا، يستهدف قارئًا يعرف لماذا يشتريها، لا قارئًا يشتريها لأنه اعتاد أن يجدها أمامه.

وهذه ليست هزيمة بالضرورة.

فالصحافة لم تُخلق لكي تملأ الأكشاك، وإنما لكي تراقب وتكشف، وتفسر، وتسأل حين يفضّل الآخرون الصمت.

لكن هناك حقيقة لا يمكن الهروب منها:

إذا أصبحت تكلفة الصحيفة أعلى من قيمتها في عين القارئ، فلن تنقذها رائحة الورق ولا تاريخها الطويل.

وحينها لن تكون التكنولوجيا هي التي قتلت الصحيفة.

سيكون ما قتلها هو عجزها عن إعطاء القارئ سببًا جديدًا للتمسك بها.

لذلك، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل ستختفي الصحيفة الورقية؟

السؤال الأكثر قسوة هو:

هل ما زالت بعض الصحف تكتب شيئًا يستحق أن يُطبع؟

google-playkhamsatmostaqltradentX