recent
أخبار ساخنة

حين يصبح الخطأ وطنًا


بقلم : د. شيماء سعيد الشافعي

أخطر ما يفعله الواقع بنا ليس أنه يؤذينا، بل أنه يجعلنا نألف الأذى.

نُصدم في المرة الأولى، ونغضب في الثانية، ثم في المرة العاشرة نصمت.

وحين نصمت طويلًا، نبدأ في التبرير، وحين نبرر، نموت من الداخل دون أن نشعر.

هناك حقائق لا تقتلنا لأنها خفية، بل لأنها سافرة.

نراها كل صباح عارية على الأرصفة، فندير وجوهنا وندّعي العمى.

نرى الصادق يعتذر لأنه قال الحق، بينما الكاذب يلقي خطابًا فيحييه الناس تصفيقًا.

نرى صاحب المبدأ يدفع فاتورة ثباته من عمره وسمعته بينما يبيع آخرون مبادئهم بالكيلو كلما تغيّر سعر السوق.

نرى الكفاءة تقف على الباب تستأذن، بينما يدخل التافه من الشباك ويجلس على الكرسي.

ثم نسأل ببلاهة: أين العدل؟

والسؤال الحقيقي الذي يجب أن نجلد أنفسنا به هو: أين نحن؟

أصبح الفساد أمرًا طبيعيًا، وأصبحت قيمة الإنسان تُقاس بما في جيبه، وأصبح القرب من الناس يُقاس بما يملكه من نفوذ.

صرنا ننبهر بالكلام المزخرف قبل أن نختبر الموقف العاري.

لأن الكلام سهل تجميله، أما الموقف فهو المرآة التي لا تكذب.

قد يقسم لك أحدهم بالوفاء ليلًا، فإذا احتجته صباحًا بحثت عنه، فوجدته قد باعك.

وقد يصمت آخر ولا يتحدث عن الأخلاق حرفًا، فإذا وقعت، تكتشف أنه كان السند الذي لم يخذل.

هنا فقط تدرك أن الإنسان لا يُقاس بما يقوله عن نفسه

 بل بما يفعله حين يظن أن لا أحد يراه.

والأقسى أن الطيب يُعاقب لأنه يسامح، والهادئ يُتهم بالضعف لأنه لا يصرخ، وصاحب الخُلق يُمتحن حتى يظن الجميع أن أدبه سذاجة.

فلا تقع في هذا الفخ.

التسامح ليس غباءً، والهدوء ليس هزيمة، والأدب ليس عجزًا.

قد تكون قادرًا على أن تحرق، لكنك اخترت أن تُضيء.

هذه هي القوة الحقيقية: أن تملك القسوة وتختار الرحمة وأن تملك حق الرد وتختار الصمت لله، وأن ترى القبح كله ولا تسمح له بأن يلوثك، وأن تعيش في سوق النخاسة ولا تبيع روحك.

فالكارثة لا تبدأ بانتشار الخطأ، بل تبدأ حين يتوقف الناس عن تسميته خطأ.

يتكرر، فيصبح مألوفًا، ويطول، فيصبح مقبولًا، وينتشر فيصبح هناك من يدافع عنه ويحاضر به.

حينها لا تختفي الحقيقة فقط، بل تصبح غريبة، وحيدة ومتهمة بالجنون.

فإياك أن يفسدك فسادهم.

لا تقل: ما باليد حيلة؛ لأن يدك فيها اختيارك.

لا تقل: الكل يفعل ذلك؛ فالكل ليسوا ميزان الحق.

لا تقل: هكذا الدنيا؛ فالدنيا كما نصنعها نحن.

كن أنت النقطة البيضاء في الورقة السوداء.

إذا كذبوا، انطق بالصدق، حتى لو بُحَّ صوتك.

وإذا ظلموا، كن الميزان، حتى لو وقفت وحدك.

وإذا أصبح الوفاء عملة نادرة، فلا تُسك عملتك.

الله لن يسألك: لماذا لم تُصلح العالم؟ لكنه سيسألك: ماذا فعلت بنفسك التي استرعاك الله عليها؟

قد لا تغيّر العالم، لكنك تستطيع أن تمنع العالم من أن يغيّرك، وهذا هو النصر.

أن تمشي في مستنقع الزيف وتخرج بثيابك نظيفة.

أن ترى كل العفن، ويظل قلبك حيًّا.

لأن أسوأ هزيمة ليست أن تخسر في عالم مريض، بل أن تُشفى من إنسانيتك لكي تليق بالمرض.

google-playkhamsatmostaqltradentX