بقلم : المستشار عصمت العيادي
بدايةً، نقول إننا نستعير من الإخوة فقهاء الشريعة الإسلامية قولهم في الحديث عن مشكلةٍ ما: يجب ابتداءً تحديد الموضوع والنطاق والعناصر والغاية، حتى يمكن التوصل إلى الحل الصحيح لها.
ولذلك نبدأ بتعريف لفظ الانضباط، فنقول: إن الانضباط في اللغة العربية هو الالتزام بالقواعد والنظام العام والخضوع للتعليمات واللوائح. ويُقال: «انضبطت الأمور»، أي استقامت وانتظمت.
والانضباط كلمة مشتقة من الضبط، وتعني إمساك الشيء والسيطرة عليه وإخضاعه أو القبول به. وعلى ذلك يقودنا الحديث عن الانضباط إلى تعريف ماهية النظام العام، والذي يعني خضوع الأفراد للقانون والقواعد السلوكية؛ للحفاظ على استقرار المجتمع وحسن سير العمل فيه.
والقول المتقدم يعني أن الانضباط حالة سلوكية شخصية للفرد، وأيضًا حالة عامة للمجتمع كله، فالتأثير متبادل بقوة بين كلٍّ من الطرفين.
لكننا نقول إنه ليس كل الأفراد يتصفون بحالة الانضباط وإنما الأغلبية منهم فقط، ومع ذلك فإنهم بهذه الأغلبية في السلوك يضيئون وجه المجتمع، فيكون السلوك العام الغالب جيدًا، وهو ما ينعكس مرة أخرى، بالتالي، على الأفراد، فيزيد عدد الملتزمين منهم بحكم تبادل التأثير ووفقًا لنظرية الأواني المستطرقة في العلوم.
هذا من جانب، ومن جانب آخر، فتتعدد صنوف هذا الانضباط ومظاهره فئويًا في المجتمع، ما بين الانضباط العسكري بين رجال القوات المسلحة، والانضباط النظامي بين رجال الشرطة، والانضباط القضائي بين رجال القضاء، والانضباط الدبلوماسي بين رجال وزارة الخارجية، والانضباط الطبي بين العاملين بوزارة الصحة وهكذا تمضي مسيرة فئات المجتمع جميعًا، دون أن نستثني أي فئة.
وإلا حدث خلل يتناسب مع حجم الخروج عن الانضباط الواجب، ويؤثر على المجتمع برمته، ونستثني من ذلك الفئات المنغلقة على نفسها وفقًا لطبيعة ونظام عملها.
فلا يمكن للفرد أن يأمن على سلامته الجسدية وهو يسير في نهر الطريق؛ لانشغال الرصيف المقرر لسير الأفراد بالباعة الجائلين.
ولا يمكن أن يأمن الفرد على سلامته وهو يعبر نهر الطريق من غير الأماكن المخصصة للعبور.
ولا يمكن لك أن تصل إلى مقر عملك بسيارتك، وقد كنت تخوض في مسيرة من المشكلات بين السيارات الأخرى التي تسير في نهر الطريق.
إنني لا ألقي باللوم على أحد بمفرده، بل أستعير قول الفنان العبقري الراحل أحمد زكي: «كلنا مخطئون».
وإلى مقال قادم، بإذن الله سبحانه وتعالى.
