recent
أخبار ساخنة

 المولد النبوي الشريف.. حكاية احتفال وقصائد خلدها التاريخ



كتب. ايهاب غريب


مع حلول شهر ربيع الأول من كل عام، تتجدد مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، فتنتشر المدائح والإنشاد ومجالس السيرة، وتظهر حلوى المولد كواحدة من أشهر مظاهر المناسبة في الذاكرة الشعبية المصرية.


لكن وراء هذه الأجواء سؤال تاريخي مهم: متى بدأ الاحتفال بالمولد النبوي؟ وكيف أصبح المديح الشعري جزءًا أساسيًا من هذه المناسبة؟


من عصر النبوة إلى ظهور الاحتفال


لا توجد رواية تاريخية تثبت أن النبي محمد ﷺ أقام احتفالًا سنويًا بذكرى مولده، كما لم يُعرف عن الصحابة والتابعين الاحتفال بالمولد بالصورة التي ظهرت في العصور اللاحقة.


لكن محبة النبي ﷺ ظهرت مبكرًا في الشعر، وكان حسان بن ثابت من أبرز شعراء عصر النبوة، ومن أشهر الأبيات المنسوبة إليه:


وأحسنُ منك لم ترَ قطُّ عيني

وأجملُ منك لم تلدِ النساءُ

خلقتَ مبرَّأً من كلِّ عيبٍ

كأنكَ قد خُلقتَ كما تشاءُ


ومع مرور القرون ظهرت احتفالات منظمة بالمولد، وتشير المصادر التاريخية إلى أن الفاطميين في مصر عرفوا احتفالات رسمية بالمولد ضمن مواسم ومناسبات متعددة، ثم تطورت هذه الاحتفالات وانتشرت في عصور لاحقة، ومن أبرز المحطات التاريخية فيها احتفالات الملك المظفر كوكبوري في إربل خلال القرن السابع الهجري.


البوصيري.. «البردة» التي عبرت القرون


كان شرف الدين البوصيري أحد أشهر من خلّدوا المديح النبوي، وأصبحت قصيدته المعروفة بـ**«البردة»** من أشهر القصائد التي تُقرأ وتُنشد في المجالس الدينية.


ومن أشهر أبياتها:


محمدٌ سيِّدُ الكونينِ والثقلينِ

والفريقينِ من عُربٍ ومن عجمِ


وبفضل انتشار «البردة» أصبح شعر المديح النبوي عنصرًا أساسيًا في المجالس التي تستحضر السيرة النبوية.


ابن نباتة وصفي الدين الحلي


واصل شعراء العصور الإسلامية إثراء هذا الفن، ومن بينهم ابن نباتة المصري وصفي الدين الحلي، حيث اتسع المديح النبوي من مجرد الثناء إلى استحضار السيرة والشمائل والمعاني الروحية.


وكانت قصائد هؤلاء الشعراء تُتداول في المجالس الأدبية والدينية، ثم وجدت طريقها إلى حلقات الإنشاد والاحتفالات بالمولد.


أحمد شوقي.. المولد في ثوب شعري حديث


وفي العصر الحديث، أعاد أحمد شوقي تقديم المديح النبوي بأسلوب أكثر قربًا من لغة عصره، ومن أشهر قصائده:


وُلِدَ الهدى فالكائناتُ ضياءُ

وفمُ الزمانِ تبسُّمٌ وثناءُ


وأصبحت قصيدته من أشهر النصوص التي ارتبطت بالمولد النبوي في العصر الحديث، خاصة بعد انتشارها عبر الإنشاد والغناء.


كما برز محمد إقبال في شبه القارة الهندية، مقدمًا نموذجًا آخر للمديح النبوي في الأدب الإسلامي الحديث، مؤكدًا أن هذا الفن تجاوز اللغة العربية إلى لغات وثقافات إسلامية متعددة.


المولد.. بين التاريخ والأدب والعادات الشعبية


مع مرور الزمن، لم يعد المولد مجرد مناسبة دينية، بل أصبح في كثير من المجتمعات جزءًا من التراث الشعبي، فارتبط في مصر بالمدائح والإنشاد والحلوى والتجمعات العائلية والشعبية.


ومن المهم تاريخيًا عدم الخلط بين المديح النبوي والاحتفال بالمولد؛ فالشعر في محبة النبي ﷺ أقدم من الاحتفال المنظم بالمولد، كما أن كثيرًا من الشعراء الذين تُنشد قصائدهم في المولد لم يكتبوا بالضرورة قصائدهم خصيصًا لهذه المناسبة.


ماذا بقي من المولد؟


بعد قرون طويلة من تطور هذه المناسبة، يبقى السؤال الأهم: هل يكون المولد مجرد موسم للحلوى والاحتفالات، أم فرصة للتعرف بصورة أعمق إلى سيرة النبي ﷺ وأخلاقه؟


فمن حسان بن ثابت إلى البوصيري وشوقي، ترك شعراء المديح النبوي تراثًا أدبيًا ضخمًا يعكس حضور النبي ﷺ في الوجدان الإسلامي.


وفي النهاية، قد تتغير مظاهر الاحتفال من عصر إلى آخر، لكن السيرة النبوية تظل جوهرًا يتجاوز المناسبة نفسها؛ تُقرأ لتُفهم، وتُفهم لتتحول إلى أخلاق وسلوك في حياة الناس.

google-playkhamsatmostaqltradentX