recent
أخبار ساخنة

الشرق الأوسط على حافة التحول الكبير.. قراءة استراتيجية في تفاعلات الصراع بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل


  ما وراء المشهد

 بقلم : الدكتورة إيناس عمر الصاوي 


الشرق الأوسط على حافة التحول الكبير.. قراءة استراتيجية في تفاعلات الصراع بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل وانعكاساته على الأمن العربي.


لا يبدو أن ما تشهده منطقة الشرق الأوسط اليوم يمثل أزمة عابرة يمكن احتواؤها بوساطة سياسية أو تهدئة مؤقتة، بل إن المنطقة تدخل مرحلة جديدة تختلف في طبيعتها عن كل ما سبقها. فالتطورات المتلاحقة منذ الأيام الماضية تكشف أن موازين القوى لم تعد مستقرة وأن النظام الإقليمي الذي تشكل على مدار عقود يمر باختبار غير مسبوق قد يفضي إلى إعادة رسم خرائط النفوذ ومفاهيم الردع والتحالفات.



المشهد الراهن لا يمكن اختزاله في مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، ولا في الصراع الممتد بين إسرائيل وإيران، لأن جميع الأطراف أصبحت تتحرك داخل شبكة معقدة من المصالح والضغوط والاعتبارات الاقتصادية والعسكرية. لذلك فإن أي قراءة تقتصر على متابعة الضربات العسكرية أو التصريحات السياسية ستكون قراءة ناقصة، بينما يكمن جوهر الأزمة في التحولات التي تجري خلف الكواليس، حيث تتشكل معادلات جديدة قد تحكم المنطقة لسنوات طويلة.


لقد دخل الشرق الأوسط مرحلة يمكن وصفها بأنها “مرحلة إدارة التوازنات بالقوة”. ففي السابق كانت القوة العسكرية تستخدم لتحقيق نصر واضح، أما اليوم فإنها تُستخدم في كثير من الأحيان لإرسال رسائل استراتيجية، أو لتعديل سلوك الخصوم، أو لفرض قواعد اشتباك جديدة دون الوصول إلى حرب شاملة. وهذا التحول يعكس إدراكًا لدى القوى الكبرى بأن تكلفة الحرب المفتوحة أصبحت باهظة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.



الولايات المتحدة تجد نفسها أمام معادلة دقيقة. فهي مطالبة بالحفاظ على صدقية التزاماتها تجاه حلفائها

 وفي الوقت ذاته تدرك أن الانخراط في حرب واسعة داخل الشرق الأوسط قد يستهلك قدراتها ويؤثر في أولوياتها العالمية، خصوصًا في ظل المنافسة الاستراتيجية مع الصين، واستمرار التوتر مع روسيا. 

ومن ثم تبدو تحركاتها أقرب إلى سياسة الاحتواء النشط؛ إظهار القوة بما يكفي لردع الخصوم، مع الإبقاء على مساحة تسمح بالعودة إلى المسار الدبلوماسي إذا توافرت الظروف المناسبة.


أما إيران، فتدير الأزمة بعقلية مختلفة. فهي تدرك أن المواجهة التقليدية المباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل ليست الخيار الأكثر فاعلية، ولذلك تعتمد على استراتيجية الصبر الاستراتيجي وإدارة الضغوط، مع الحفاظ على قدرتها على التأثير في أكثر من ساحة إقليمية. وتقوم هذه الاستراتيجية على إطالة أمد التوتر بما يسمح باستنزاف الخصوم سياسيًا واقتصاديًا، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة قد تهدد استقرارها الداخلي.



وفي المقابل، تسعى إسرائيل إلى استثمار اللحظة الراهنة لترسيخ معادلة ردع أكثر صرامة، انطلاقًا من قناعة بأن البيئة الأمنية المحيطة بها تمر بمرحلة إعادة تشكيل. 

ولهذا تبدو تحركاتها العسكرية جزءًا من رؤية أوسع تستهدف تقليص مصادر التهديد المستقبلية، وليس مجرد رد فعل على أحداث آنية. غير أن هذه المقاربة تحمل في طياتها مخاطر التصعيد، لأن توسيع دائرة العمليات قد يدفع أطرافًا أخرى إلى الانخراط بصورة مباشرة أو غير مباشرة.


وبين هذه القوى تقف دول الخليج في موقع بالغ الحساسية. فهي ليست طرفًا رئيسيًا في الصراع، لكنها تقع في قلب تأثيراته. فاقتصادات الخليج تعتمد على استقرار الممرات البحرية، واستمرار تدفق الطاقة، وثقة المستثمرين العالميين. ومن ثم فإن أي اضطراب أمني ينعكس بصورة مباشرة على خطط التنمية، وأسواق المال، ومشروعات التحول الاقتصادي التي تمثل ركيزة المستقبل في المنطقة.



إلا أن اللافت في الموقف الخليجي هو محاولة تحقيق توازن دقيق بين تعزيز القدرات الدفاعية، وتجنب الانزلاق إلى الاستقطاب الحاد. وهذه السياسة تعكس نضجًا في إدارة الأزمات، وإدراكًا بأن الاستقرار أصبح موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية.


وعلى الجانب العربي، تبرز مصر باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للاستقرار الإقليمي. فالموقف المصري ينطلق من ثوابت راسخة تقوم على رفض توسيع دائرة الصراع والحفاظ على سيادة الدول، ودعم الحلول السياسية باعتبارها السبيل الوحيد لتجنب كارثة إقليمية شاملة. ولا يقتصر هذا الدور على التحرك الدبلوماسي، بل يمتد إلى حماية الأمن القومي المصري في محيط إقليمي يشهد تغيرات متسارعة، مع الحفاظ على جاهزية مؤسسات الدولة للتعامل مع مختلف السيناريوهات.


إن أهمية الدور المصري لا تنبع فقط من ثقلها العسكري

 أو السياسي، وإنما من قدرتها على الجمع بين التوازن والحكمة، وهو ما يجعلها طرفًا يحظى باحترام مختلف القوى الإقليمية والدولية عند البحث عن مسارات للتهدئة أو التسوية.


اقتصاديًا، تبدو آثار الأزمة أكثر اتساعًا مما قد يظهر للوهلة الأولى. فكل موجة تصعيد تؤدي إلى ارتفاع مستويات القلق في الأسواق العالمية، وزيادة تكاليف النقل والتأمين، واهتزاز ثقة المستثمرين، وهو ما ينعكس في النهاية على الاقتصادات النامية قبل غيرها. كما أن استمرار حالة عدم اليقين يفرض ضغوطًا إضافية على الحكومات التي تسعى إلى تنفيذ برامج التنمية وتحقيق الاستقرار المالي.



لكن الخطر الأكبر لا يتمثل في الضربات العسكرية ذاتها وإنما في تآكل الثقة بين الأطراف. فعندما تصبح الرسائل العسكرية هي اللغة الأكثر استخدامًا، وتتراجع فرص الحوار، يصبح احتمال سوء التقدير أكبر، وقد يقود حادث محدود إلى تصعيد واسع لا يكون أي طرف قد خطط له.


ومن هنا، فإن مستقبل المنطقة لن تحدده القوة العسكرية وحدها، بل ستحدده أيضًا قدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على إعادة بناء قواعد للتواصل وإدارة الخلافات. فالردع قد يمنع الحرب لفترة، لكنه لا يصنع سلامًا دائمًا، بينما يظل الحوار السياسي، مهما بدا صعبًا أقل كلفة من أي مواجهة مفتوحة.


إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام لحظة مفصلية. فإما أن تنجح القوى المختلفة في احتواء التوتر ضمن حدود يمكن السيطرة عليها، وإما أن تتجه المنطقة إلى مرحلة جديدة تتسم باضطراب طويل الأمد، يعيد تشكيل خرائط النفوذ والتحالفات، ويؤثر في الاقتصاد العالمي لعقد كامل أو أكثر.



ويبقى الدرس الأهم أن استقرار المنطقة لم يعد شأنًا محليًا يخص دولها وحدها، بل أصبح عنصرًا رئيسيًا في استقرار النظام الدولي بأسره. ومن ثم فإن الحكمة السياسية، والالتزام بالقانون الدولي، واحترام سيادة الدول، تمثل اليوم ضرورة استراتيجية وليست مجرد شعارات دبلوماسية. فكلما ارتفعت أصوات السلاح ازدادت الحاجة إلى صوت العقل، لأن الشعوب هي التي تتحمل في النهاية كلفة الصراعات، بينما يبقى السلام وحده القادر على حماية المستقبل وصناعة التنمية. 

google-playkhamsatmostaqltradentX