عالم الفن
بين خفة الظل التلقائية والقدرة الفائقة على إتقان أدوار الشر، ممزوجةً بالأناقة والحضور اللافت، وضع الفنان القدير مصطفى متولي بصمة لا تُنسى في تاريخ الفن المصري والعربي.
رحل مصطفى متولي، تاركًا خلفه إرثًا سينمائيًا وتليفزيونيًا ومسرحيًا ثريًا، إلى جانب محبة عميقة استقرت في قلوب الجماهير ورفاق مشواره الفني.
البدايات والشغف بالمسرح
وُلد الفنان مصطفى متولي في مدينة شبراخيت بمحافظة البحيرة عام 1954، وظهر شغفه بالتمثيل منذ سنواته الأولى، من خلال مشاركاته في الأنشطة المسرحية المدرسية.
وقرر صقل موهبته الفطرية بالالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة، ليتخرج فيه ويبدأ مسيرته المهنية بخطوات واثقة.
لم يكن مجرد وجه جديد يمر عابرًا، بل امتلك كاريزما مميزة وملامح مألوفة، أهلته ليصبح أحد أبرز وجوه السينما والدراما المصرية خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.
ثنائية لا تُنسى مع الزعيم عادل إمام
ارتبط اسم مصطفى متولي بالفنان الكبير عادل إمام، في ثنائية فنية ناجحة قدمت للجمهور أعمالًا كوميدية ودرامية لا تُمحى من الذاكرة.
ولم تكن علاقتهما فنية فحسب، بل جمعتهما أيضًا صلة قرابة ونسب، وهو ما انعكس في حالة من التفاهم والانسجام الواضح بينهما على الشاشة وخشبة المسرح.
وتجلت هذه الكيمياء الفنية في عدد من أبرز الأعمال، منها:
شرير بطابع إنساني
تمكن مصطفى متولي من كسر القالب التقليدي لشخصية «الشرير»، إذ أضفى على أدواره أبعادًا إنسانية وكوميدية جعلت الجمهور يتفاعل معها ويستمتع بحضوره.
فقد برع في تجسيد شخصيات رجل الأعمال الفاسد والضابط الصارم، ورجل العصابات، لكنه لم يقدم الشر بصورة نمطية أو جامدة، بل منحه ملامح خاصة جعلت شخصياته قريبة من المشاهد رغم قسوتها أو تعقيدها.
ولم تنحصر موهبته في الكوميديا أو أدوار الشر، بل أثبت براعة استثنائية في الأدوار المركبة، إلى جانب الدراما التاريخية والاجتماعية.
ومن أبرز أدواره تجسيده لشخصية الشيخ حسن البنا في مسلسل «أم كلثوم»، حيث قدم أداءً متميزًا أكد قدرته على التنوع والانتقال بين الشخصيات المختلفة باقتدار.
الستار الأخير.. رحيل على أعتاب المسرح
في الخامس من أغسطس عام 2000، جاء خبر رحيل الفنان مصطفى متولي كالصاعقة على الوسط الفني والجمهور العربي.
فبعد انتهائه من أداء دوره في مسرحية «بودي جارد» وسقوط الستار، تعرض لأزمة قلبية مفاجئة أنهت حياته عن عمر ناهز 46 عامًا.
«رحل مصطفى متولي وهو يرتدي عباءة الفن حتى اللحظة الأخيرة، ليكون المسرح شاهدًا على آخر أنفاسه وابتساماته، قبل أن تودعه الجماهير بالدموع».
ورغم مرور سنوات طويلة على رحيله، لا يزال مصطفى متولي حاضرًا عبر الشاشات وإعادة عرض أعماله، لتبقى ضحكته وملامحه وحضوره جزءًا أصيلًا من الذاكرة الفنية لجيل كامل.
كما يواصل نجله الفنان عمر متولي مسيرته الفنية، حاملًا اسم والده وإرثه بحب واعتزاز.
رحل الجسد، وبقيت الأدوار شاهدة على فنان لم يبحث يومًا عن البطولة المطلقة بقدر ما سعى إلى إتقان الدور ليظل دائمًا رفيقًا عزيزًا في ذاكرة السينما والدراما العربية.



