ما وراء المشهد
بقلم : الدكتورة إيناس عمر الصاوي
مدير عام التبادل الثقافي والنشر الأجنبي والترجمة
في عالم اليوم، لم تعد القوة تُقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات، ولا بحجم الجيوش والأساطيل، بل أصبحت تُقاس أيضًا بقدرة الدول على تأمين احتياجاتها الاستراتيجية، وفي مقدمتها الطاقة. فالدولة التي تمتلك قرارها في مجال الطاقة، تمتلك جزءًا كبيرًا من قرارها السياسي والاقتصادي، ولذلك لم يكن مشروع محطة الضبعة النووية مجرد مشروع لتوليد الكهرباء، بل هو أحد أهم مشروعات بناء القوة الوطنية المصرية في القرن الحادي والعشرين.
لقد تغيرت خريطة الصراعات الدولية بصورة جذرية فالحروب لم تعد تُخاض بالسلاح وحده، وإنما بالعقوبات الاقتصادية، والتحكم في سلاسل الإمداد، وأسواق الغذاء، ومسارات الطاقة.
ومع كل أزمة عالمية، يتأكد أن الدول التي اعتمدت على الآخرين في تأمين احتياجاتها دفعت ثمنًا باهظًا، بينما نجحت الدول التي استثمرت مبكرًا في تنويع مصادر الطاقة في حماية اقتصاداتها والحفاظ على استقلال قرارها.
من هنا تكتسب الضبعة معناها الحقيقي.
فالذين ينظرون إلى المشروع باعتباره أربعة مفاعلات لإنتاج الكهرباء، يرون جزءًا من الصورة فقط. أما الصورة الكاملة فتقول إن مصر تؤسس لمرحلة جديدة، تصبح فيها التكنولوجيا النووية السلمية أحد أعمدة التنمية وأحد أدوات تعزيز المكانة الإقليمية، وركيزة من ركائز الأمن القومي.
إن بناء محطة نووية ليس مشروعًا إنشائيًا ينتهي بانتهاء أعمال البناء، بل هو تأسيس لمدرسة علمية وصناعية متكاملة. فخلف كل مفاعل توجد آلاف العقول التي تُدرَّب، ومراكز بحثية تتطور، وصناعات دقيقة تنشأ وشركات وطنية تكتسب خبرات لم تكن متاحة من قبل وهنا يكمن العائد الحقيقي الذي قد لا يظهر في نشرات الأخبار، لكنه سيبقى لعقود.
اقتصاديًا، يمثل المشروع استثمارًا طويل الأجل في استقرار الاقتصاد الوطني. فالصناعة الحديثة لا يمكن أن تعتمد على مصادر طاقة متقلبة، والاستثمارات الكبرى تبحث دائمًا عن بيئة تمتلك بنية تحتية قوية وإمدادات كهربائية مستقرة. ومع التوسع في المدن الجديدة والمناطق الصناعية، ومشروعات التحول الرقمي سيصبح الطلب على الكهرباء أكثر تعقيدًا، وهو ما يجعل الطاقة النووية عنصرًا أساسيًا في مزيج الطاقة المصري.
لكن الأهمية الأكبر تكمن في البعد الجيوسياسي.
فامتلاك برنامج نووي سلمي متقدم يضع مصر ضمن مجموعة الدول القادرة على إدارة واحدة من أكثر التقنيات تعقيدًا في العالم وفق المعايير الدولية، وهو ما يعزز مكانتها في محيطها الإقليمي والقاري، ويفتح آفاقًا أوسع للتعاون العلمي والتكنولوجي. وفي عالم أصبحت فيه التكنولوجيا إحدى أدوات النفوذ، فإن امتلاك المعرفة لا يقل أهمية عن امتلاك الموارد.
كما أن المشروع يعكس فلسفة جديدة في إدارة الدولة تقوم على التخطيط لعقود مقبلة، لا لسنوات قليلة فالمشروعات النووية لا تُبنى من أجل حكومة أو ولاية أو ظرف اقتصادي مؤقت، وإنما تُبنى لأجيال كاملة، وهو ما يمنح الضبعة قيمة تتجاوز الحسابات اليومية.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يُختزل النقاش حول المشروع في ثنائية “مع أو ضد” الطاقة النووية. فالسؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى الطاقة النووية؟ بل: كيف نبني مزيجًا متوازنًا من مصادر الطاقة يضمن أمن الدولة لعقود قادمة؟ والإجابة التي تتبناها معظم الاقتصادات الكبرى اليوم هي أن الطاقة النووية والطاقة المتجددة ليستا بديلين، وإنما شريكان في تحقيق أمن الطاقة وخفض الانبعاثات وضمان استقرار الإمدادات.
لقد اختارت مصر أن تتحرك في هذا الاتجاه، فوسعت استثماراتها في الطاقة الشمسية والرياح، وفي الوقت نفسه مضت في تنفيذ مشروع الضبعة، إدراكًا منها أن المستقبل لا يُبنى بالاعتماد على خيار واحد، بل بتكامل الخيارات.
ويبقى التحدي الحقيقي بعد تشغيل المحطة، وهو تعظيم الاستفادة منها عبر توطين الصناعات المرتبطة بالتكنولوجيا النووية، ودعم الجامعات ومراكز البحوث، وإعداد كوادر مصرية قادرة على قيادة هذا القطاع لعقود مقبلة. فالقيمة الكبرى للمشروع لن تكون فقط في الكهرباء التي ينتجها، بل في الاقتصاد المعرفي الذي يمكن أن ينشأ حوله.
إن الأمم لا تدخل التاريخ بالمصادفة، وإنما تدخل إليه عندما تمتلك رؤية، وتتحلى بالصبر، وتستثمر في المستقبل قبل أن تفرضه الظروف. ومشروع الضبعة يجسد هذا المعنى؛ فهو ليس مجرد محطة لتوليد الطاقة، بل محطة في مسيرة دولة قررت أن يكون المستقبل أحد أهم استثماراتها.
قد لا تكون الضبعة أعلى مبنى في مصر، لكنها بلا شك واحدة من أعلى قمم الرؤية الاستراتيجية. فهناك مشروعات تُضيء المدن، وهناك مشروعات تُضيء المستقبل… والضبعة تنتمي إلى الفئة الثانية.






