بقلم : د . يوسف العميري
هناك هزائم تترك في القلوب مرارة، وهناك هزائم تُكتب في صفحات المجد. وما قدمه المنتخب المصري أمام بطل العالم، الأرجنتين، لا يمكن اختزاله في نتيجة انتهت بثلاثة أهداف مقابل هدفين؛ لأن كرة القدم لا تُقاس دائمًا بعدد الأهداف، بل بما يقدمه الرجال من شجاعة وإيمان وقتال حتى اللحظة الأخيرة.
مساء البطولة... ومساؤكم فخر، أيها الأبطال.
لقد شاهد العالم منتخبًا مصريًا لا يعرف الاستسلام منتخبًا واجه أحد أقوى منتخبات العالم بندية كاملة وفرض شخصيته على مباراة كانت كل التوقعات تميل فيها إلى الأرجنتين. لكن الفراعنة قلبوا التوقعات وأجبروا بطل العالم على القتال حتى الثواني الأخيرة ليخرج بفوز بالغ الصعوبة.
هذه ليست هزيمة... بل شهادة ميلاد لجيل يعرف كيف يقف في وجه الكبار.
لقد عزف لاعبو مصر سيمفونية كروية أبهرت كل من تابع المباراة؛ انضباط تكتيكي، وروح قتالية، وإصرار لا ينكسر وشخصية فريق كبير لم يدخل الملعب ليلتقط الصور مع أبطال العالم، بل دخل ليقول: نحن هنا لننافس وننتصر.
وإذا كان المنتخب الأرجنتيني قد خرج بالنتيجة، فإن المنتخب المصري خرج بالاحترام.
وهذا، أحيانًا، يكون أعظم من الفوز نفسه.
لكن، ومع كل الإشادة التي يستحقها لاعبو مصر وجهازهم الفني بقيادة الكابتن حسام حسن، لا يمكن تجاهل ما أثارته القرارات التحكيمية من علامات استفهام كبيرة.
لقد شاهد الجميع حالات متشابهة تعامل معها الحكم بمعايير مختلفة، بصورة أثارت الجدل. ركلة جزاء احتُسبت ثم أُلغيت لمصلحة مصر، وحالتان أخريان رأى كثيرون أنهما تستحقان احتساب ركلتي جزاء للفراعنة قبل أن يسجل المنتخب الأرجنتيني هدفه القاتل.
لسنا ممن يعلقون كل شيء على شماعة التحكيم، لكن العدالة هي أساس اللعبة، وعندما يشعر جمهور كامل بأن ميزان القرارات لم يكن واحدًا، فمن حقه أن يتساءل ومن حقه أن يطالب بتحكيم يطبق القانون على الجميع بالمعيار نفسه.
ومع ذلك، فإن ما حدث لا ينبغي أن يحجب الحقيقة الأكبر.
الحقيقة أن مصر استعادت شخصيتها.
والحقيقة أن المنتخب المصري أعاد الهيبة لكرة القدم المصرية، وأثبت أنه قادر على الوقوف وجهًا لوجه أمام أعتى مدارس كرة القدم في العالم.
أما الكابتن حسام حسن، فقد أكد مرة أخرى أن الروح المصرية، عندما تجد قائدًا يؤمن بها، تستطيع أن تصنع المستحيل. لقد نجح في تكوين فريق يلعب بقلبه قبل قدميه، ويقاتل على كل كرة، ولا يعرف معنى الاستسلام.
ومن الكويت، ومن قلب خليجي وعربي يعشق مصر، أقول إن الفراعنة لم يمثلوا المصريين وحدهم، بل حملوا معهم آمال ملايين العرب الذين التفوا حولهم في هذه البطولة. لقد رفعوا رؤوسنا جميعًا، وأثبتوا أن الكرة العربية قادرة على منافسة الكبار متى توافرت الثقة والعمل والإدارة.
ولهذا، فإنني أناشد الشعب المصري أن يستقبل أبطاله بما يليق بهم.
استقبلوهم كما يُستقبل المنتصرون.
استقبلوا الرجال الذين قاتلوا حتى آخر ثانية، وأجبروا بطل العالم على بذل كل ما لديه ليحسم المباراة.
لا تجعلوا النتيجة تحجب الحقيقة؛ فالحقيقة أن مصر لم تُهزم.
الحقيقة أن مصر خرجت من كأس العالم أكثر قوة، وأكثر احترامًا، وأكثر قدرة على صناعة المستقبل.
لقد خسر الفراعنة مباراة، لكنهم كسبوا ثقة العالم وكسبوا احترام منافسيهم.
وكسبوا محبة كل عربي شعر، وهو يشاهدهم، أن هؤلاء الرجال كانوا يقاتلون من أجل راية أمة كاملة.
شكرًا يا فراعنة النيل... فقد خرجتم من المونديال، لكنكم خرجتم مرفوعي الرؤوس، تاركين خلفكم رسالة واضحة:
إن مصر لا تنحني أمام الكبار... بل تُجبر الكبار على احترامها.
