في ذكرى يوم المحامي الفلسطيني
يحتفل المحامون في فلسطين في التاسع من تموز/يوليو من كل عام بـ يوم المحامي الفلسطيني، وهو اليوم الذي أصدر فيه الرئيس الشهيد ياسر عرفات (أبو عمار) المرسوم الرئاسي رقم (87) لسنة 1997 بشأن تشكيل المجلس التأسيسي لنقابة المحامين الفلسطينيين.
فقد كانت الساحة القانونية آنذاك تضم ثلاثة أجسام نقابية مستقلة: جسمًا في الضفة الغربية يتبع نقابة المحامين الأردنيين، وما كان يُعرف بـ"مجلس الحقوق" في قطاع غزة، وجسمًا ثالثًا في القدس. ثم جرى توحيد هذه الأجسام تحت مظلة نقابة فلسطينية واحدة، ليصبح هذا اليوم منذ ذلك الحين مناسبة وطنية راسخة لدى مجتمع المحامين الفلسطينيين، ومحطة لتقييم حالة سيادة القانون، واستقلال القضاء، وصون الحريات العامة، والتذكير بالمثل العليا وأعراف وتقاليد مهنة المحاماة ورسالتها السامية.
فالمحامي جزء أصيل من منظومة العدالة، وأحد أركانها الأساسية، فهو يمثل القضاء الواقف، ويسعى إلى تحقيق العدالة وترسيخ سيادة القانون.
وقد تُوِّج ذلك بإصدار قانون المحامين النظاميين رقم (3) لسنة 1999، الذي أقره المجلس التشريعي الفلسطيني بتاريخ 6 أبريل 1999، وصادق عليه الرئيس الراحل ياسر عرفات بتاريخ 24 يونيو 1999، وأصبح نافذًا في 10 نوفمبر 1999 بعد نشره في الجريدة الرسمية "الوقائع الفلسطينية". ونص القانون صراحة على أن المحاماة مهنة حرة تعاون السلطة القضائية في تحقيق العدالة وتأكيد سيادة القانون، وكفالة حق الدفاع عن حقوق المواطنين وحرياتهم، وأن المحامين وحدهم هم من يزاولون المهنة، ولا سلطان عليهم في أدائها إلا لضمائرهم وأحكام القانون.
والمحاماة ليست كلمة عابرة أو مصطلحًا بسيطًا، بل هي الميزان الذي يصوّب الاعوجاج في أداء جهات إنفاذ القانون، وتشارك القضاء في إحقاق الحق وإقامة العدل.
وحين تكون المحاماة قوية يكون القضاء قويًا، وتسود مبادئ العدالة والإنصاف. فلا يستقيم القضاء إلا بوجود محاماة تتمتع بكامل الضمانات والتسهيلات التي تمكنها من أداء رسالتها بحرية كاملة، دون ضغط أو تهديد
أو وعد أو وعيد، ودون أي قيود أياً كان نوعها.
كما أن المحاماة لا يمكن أن تؤدي رسالتها في ظل إجراءات بطيئة، أو ممارسات غير قانونية، أو تطبيق غير دقيق للقوانين، ومن دون توفير الحماية والحصانة اللازمة للمحامي أثناء أداء رسالته. فالمحامي هو المدافع الأول عن حقوق الإنسان، فإذا انتُهكت حقوقه ومُسّت كرامته، فعلى العدالة والقانون السلام.
وقد تعرض المحامون في قطاع غزة، شأنهم شأن أبناء الشعب الفلسطيني، للقتل والاعتقال والتعذيب والتجويع والتشريد والإصابة، والحرمان من أبسط حقوقهم الأساسية في الغذاء والدواء والكساء والمأوى، نتيجة آلة الحرب الإسرائيلية.
وفقد المحامون منازلهم ومكاتبهم ومصادر دخلهم بسبب توقف مرافق العدالة عن العمل جراء العدوان، وبفقدان مكاتبهم فقدوا ملفاتهم، وعقودهم، وقضاياهم ومذكراتهم، وشهاداتهم، ومكتباتهم القانونية، وأثاث مكاتبهم، وأجهزتهم، بل وحتى روب المحاماة.
وسيواجه المحامون مستقبلًا تحديات جسيمة سيكون لها أثر بالغ في قدرتهم على أداء رسالتهم، نتيجة فقدان الأدلة والمستندات التي تثبت الحقوق، وهو ما قد يؤدي إلى ضياع الكثير من الحقوق وتعطيل تحقيق العدالة.
كما أنهم عاجزون عن ممارسة عملهم بسبب استهداف المرافق العدلية من محاكم، ونيابات، ومراكز شرطة وسائر الجهات الرسمية التي يمارسون أعمالهم أمامها والتي دُمّرت بصورة شبه كاملة، الأمر الذي يتطلب وقتًا طويلًا لإعادة بنائها، وفقًا للظروف السياسية، مما يعني استمرار توقف أعمال المحامين لفترة طويلة وحرمانهم من مصدر دخلهم، وهو ما يجعلهم ضمن الفئات الأكثر هشاشة، التي تحتاج إلى دعم عاجل ومستمر حتى تستقر أوضاعها ويعودوا إلى ممارسة مهنتهم بصورة طبيعية.
ويعيش المحامون في قطاع غزة اليوم في خيام لا تكاد تُسمى خيامًا، فهي مجرد قطع من النايلون والقماش أشبه بملاجئ مؤقتة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء.
ففي فصل الصيف تتجاوز درجات الحرارة داخلها أربعين درجة مئوية، الأمر الذي يؤدي إلى انتشار الأمراض، في ظل انهيار المنظومة الصحية وعدم توافر العلاج، وهو ما تسبب في وفاة عدد من المحامين.
ويعاني المحامون، كغيرهم من أبناء الشعب الفلسطيني في غزة، من الذل، وامتهان الكرامة، والمعاملة القاسية واللاإنسانية، والحرمان من الأمن والاستقرار.
فقد تعرضوا للضرب والتعذيب والاعتقال والإصابة والاستشهاد والتشريد، ولا يزالون يعيشون تحت وطأة الإبادة الجماعية التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلي.
كما يعانون من جريمة الحصار، تلك الجريمة التي لفظها الضمير الإنساني منذ قرون، والتي يسعى الاحتلال من خلالها إلى تركيع الشعب الفلسطيني وإجباره على الهجرة من أرضه.
وحين فشل مشروع التهجير أمام صمود الشعب الفلسطيني والمواقف المشرفة للقيادة المصرية الرافضة له، انتقل الاحتلال إلى سياسة التدمير الشامل مستهدفًا الإنسان والحجر والشجر، في محاولة لإفراغ الأرض من أهلها.
وعلى صعيد المحامين في قطاع غزة، فقد بلغ عدد الشهداء 226 شهيدًا نتيجة القصف الإسرائيلي، إضافة إلى 21 حالة وفاة بسبب المرض وعدم توافر العلاج المناسب، بينما تعيش أسرهم أوضاعًا إنسانية غاية في القسوة.
وأصبح المحامون في قطاع غزة من أكثر الفئات هشاشة وبحاجة إلى دعم عاجل ومستمر. ولم يقتصر الأمر على فقدانهم مساكنهم ومكاتبهم، بل فقدوا أيضًا بيتهم المعنوي، وهو المقر الرئيسي لنقابة المحامين في غزة
الذي استهدفته الطائرات الحربية الإسرائيلية بتاريخ 9 أكتوبر 2023، ودمرت محتوياته بالكامل، بما فيها الملفات، والوثائق، والبيانات المالية والإدارية، والأجهزة والمعدات، فضلًا عن تدمير مقري النقابة في خان يونس ورفح، وهو ما يضاعف من حجم التحديات التي ستواجه مجلس النقابة والمحامين خلال المرحلة المقبلة.
وأمام هذه المعطيات، فإننا نطالب بما يلي:
- مطالبة المجتمع الدولي بتوفير الحماية للشعب الفلسطيني، والإسراع في عقد مؤتمر دولي لإعادة الإعمار.
- مطالبة نقابات المحامين العربية بتقديم الدعم والإسناد لنقابة ومحامي قطاع غزة.
- مطالبة اتحاد المحامين العرب بالقيام بدور فاعل وإقرار مساهمة رمزية قدرها دولار واحد من كل محامٍ عربي لدعم صمود المحامين في غزة، إلى جانب تحريك الدعاوى أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد مجرمي الحرب الإسرائيليين.
- تنظيم فعاليات قانونية وشعبية ودولية لإفشال محاولات إسقاط وكالة الأونروا وإنهاء دورها.
- إنشاء صندوق عربي وإسلامي لدعم أهل غزة بصورة دورية ومستدامة.
- الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي للسلام، وتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة.
- مطالبة الاتحاد الأوروبي بدعم إعادة بناء مقرات نقابة المحامين في قطاع غزة.
- توفير مساكن تليق بتضحيات أبناء شعبنا في قطاع غزة.
وأخيرًا، ورغم قسوة الحياة، وضنك العيش، والأهوال والمخاطر التي تحيط بأهلنا في غزة، فإننا نردد ما قاله الشاعر محمود درويش:
على هذه الأرض ما يستحق الحياةأم البدايات، أم النهايات، كانت تسمى فلسطين... وصارت تسمى فلسطين.
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار، والشفاء العاجل لجرحانا والحرية لأسرانا، والفرج القريب لشعبنا، ولكل الشعوب المقهورة في أنحاء المعمورة.
وكل عام والمحامي الفلسطيني، والعدالة الفلسطينية بألف خير.
