recent
أخبار ساخنة

ما وراء المشهد : الجاهزية الوطنية… الرسالة الأعمق وراء إنشاء الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ



       ما وراء المشهد 

بقلم : الدكتورة إيناس عمر الصاوي 

مدير عام التبادل الثقافي والنشر الأجنبي والترجمة 

لا تُبنى الدول القوية فقط بما تملكه من موارد، وإنما بما تمتلكه من قدرة على إدارة اللحظة الحرجة.

 فالتاريخ يخبرنا أن كثيرًا من الدول لم تُهزم بسبب نقص الإمكانات، وإنما بسبب عجزها عن اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب. 

وبين لحظة وقوع الأزمة ولحظة احتوائها، تتحدد كفاءة الدولة، ويُقاس نضج مؤسساتها وتُختبر قدرتها على حماية المجتمع.


من هنا، فإن الإعلان عن إنشاء الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ لا ينبغي النظر إليه باعتباره إضافة إدارية إلى مؤسسات الدولة، بل باعتباره إعلانًا عن مرحلة جديدة في فلسفة الإدارة العامة، عنوانها أن الاستعداد للمستقبل أصبح جزءًا من الأمن القومي، وأن الجاهزية لم تعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة العالم الذي نعيش فيه.



لقد دخل العالم عصر “الأزمات المركبة”، حيث لم تعد التهديدات تأتي منفردة أو في صورة تقليدية.

 فقد تبدأ أزمة اقتصادية لتتحول إلى أزمة اجتماعية

 أو يقع هجوم إلكتروني فيؤثر في قطاعات النقل والطاقة والاتصالات، أو تمتد تداعيات كارثة طبيعية إلى الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد.

 إن الحدود بين القطاعات تلاشت، وأصبح كل ملف قادرًا على التأثير في الآخر، وهو ما يجعل إدارة الأزمات عملية استراتيجية تتجاوز حدود رد الفعل.


وهنا تتغير وظيفة الدولة نفسها. فلم يعد مطلوبًا منها أن تمتلك وسائل التدخل فقط، بل أن تمتلك القدرة على قراءة المؤشرات الضعيفة قبل أن تتحول إلى أزمات كاملة. 

فالإدارة الحديثة لا تنتظر الخطر حتى يصبح واقعًا، وإنما تتعامل مع احتمالاته، وتبني سيناريوهات متعددة، وتستعد لكل احتمال بما يضمن استمرار عمل مؤسساتها وحماية مواطنيها.




إن إنشاء هيئة وطنية متخصصة يحمل دلالة مهمة، وهي أن إدارة الأزمات لم تعد مسؤولية جهة واحدة، بل أصبحت منظومة تتطلب تنسيقًا لحظيًا بين مختلف المؤسسات.

 ففي لحظة الطوارئ، تصبح سرعة انتقال المعلومة، ودقة تحليلها، ووحدة القرار، عوامل قد تساوي في أهميتها حجم الموارد المتاحة. 

ولهذا، فإن التكامل المؤسسي لم يعد رفاهية تنظيمية، بل أصبح أحد مقومات الأمن والاستقرار.


كما أن هذا التوجه يعكس إدراكًا متزايدًا بأن التكنولوجيا أصبحت شريكًا أساسيًا في صنع القرار.

 فالذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، ونظم الإنذار المبكر، لم تعد أدوات مستقبلية، بل أصبحت جزءًا من منظومات إدارة المخاطر في كثير من الدول. وكلما نجحت المؤسسات في توظيف هذه الأدوات، زادت قدرتها على تقليل الخسائر، وتسريع الاستجابة، وتحسين كفاءة إدارة الموارد.


غير أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي. فالمؤسسات القادرة على إدارة الأزمات هي تلك التي تمتلك ثقافة تنظيمية تؤمن بالتدريب المستمر، والمراجعة الدورية، واستخلاص الدروس، وتحديث خطط الطوارئ بصورة لا تنقطع فالجاهزية ليست وثيقة تُحفظ في الأدراج، بل ممارسة يومية، وعمل مؤسسي، وتراكم خبرات.


ومن زاوية أوسع، فإن الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين لم يعد مفهومًا عسكريًا خالصًا. 

لقد أصبح أمنًا متعدد الأبعاد، يشمل الأمن الصحي والغذائي، والمائي والرقمي، والاقتصادي، والبيئي. 

وكل بعد من هذه الأبعاد يمكن أن يكون نقطة انطلاق لأزمة واسعة إذا لم تُدار بكفاءة. ومن هنا، فإن إدارة الأزمات أصبحت أحد أهم أدوات الحفاظ على استقرار الدولة واستدامة التنمية.



ولا يقل أهمية عن ذلك بناء وعي مجتمعي يشارك في منظومة الجاهزية.

 فالمواطن الواعي، والإعلام المسؤول والمؤسسات المدنية الفاعلة، جميعها عناصر تكمل الدور المؤسسي، لأن الأزمات الكبرى لا تُواجه بالقرارات فقط وإنما بثقة المجتمع في مؤسساته، وبقدرته على التعاون والانضباط في اللحظات الصعبة.


إن الرسالة الحقيقية التي يحملها إنشاء الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ هي أن الدولة التي تستعد للمجهول، وتبني مؤسساتها على أساس التخطيط والتكامل والمرونة، تكون أكثر قدرة على حماية حاضرها وصناعة مستقبلها. 

فالجاهزية لم تعد إجراءً احترازيًا، بل أصبحت معيارًا من معايير قوة الدولة الحديثة.

google-playkhamsatmostaqltradentX