recent
أخبار ساخنة

مطالب باعتراف العالم بالملكية الثقافية لآثارنا بالخارج



كتب د. عبد الرحيم ريحان


طرحت الدكتورة علا العبودى أستاذ الآثار والحضارة المصرية القديمة بكلية الآثار جامعة القاهرة، رئيس لجنة التنشيط السياحى بالنقابة المهنية للسياحيين مقترحات جديدة للاستفادة من الآثار المصرية بمتاحف العالم لحين استرجاعها فى محاضرة تحت عنوان "استرداد الآثار المصرية: التحديات القانونية والدبلوماسية"


مرسوم محمد علي باشا


أكدت الدكتورة علا العبودى أن مرسوم محمد علي باشا الصادر عام 1835 نقطة الانطلاق في مسيرة حماية الآثار المصرية، إذ أسس أول كيان حكومي مصري يُعنى بهذا الشأن وهو "مصلحة الآثار"، وأسند إدارته إلى يوسف ضياء أفندي بإشراف رفاعة الطهطاوي وقد نص المرسوم على تعريف الآثار باعتبارها "رائعة القرون الماضية"، وأمر بتجميع الآثار المكتشفة في مكان خاص بحديقة الأزبكية بالقاهرة ومنع تصدير أي أثر مصري خارج البلاد


الوعي الرسمي بقيمة الآثار


من الروايات التي تدل على تنامي الوعي الرسمي بقيمة الآثار قصة رفض الخديوي إسماعيل إهداء احدى مقتنيات الملكة إعح حتب، إلى الإمبراطورة الفرنسية أوجيني. ترتبط هذه الواقعة بمعرض باريس العالمي عام 1867.ومع ازدياد نشاط البعثات الأجنبية في مصر، أصدرت الحكومة المصرية قانون 1911 الذي سمح للبعثات الأجنبية باقتسام ملكية الآثار التي يكتشفونها مع الحكومة المصرية في نظام عُرف بـ"نظام القسمة" من أبرز تجليات الجدل حول نظام القسمة قضية رأس نفرتيتي التي اكتشفت من قبل البعثة الألمانية برئاسة لودفيغ بورخاردت في تل العمارنة، وخرج من مصر عام 1913


شهدت القضية تطورًا مهمًا عقب تصريح 28 فبراير 1922 وإنهاء الحماية البريطانية، إذ أسهم تصاعد الشعور الوطني في تعزيز موقف الحكومة المصرية تجاه آثارها. وقد تجلى ذلك بوضوح أثناء أزمة اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، عندما أصرت مصلحة الآثار المصرية على الاحتفاظ بجميع محتويات المقبرة داخل مصر ورفضت إخضاعها لنظام القسمة مع تعويض ورثة اللورد كارنارفون ماليًا


وفي عهد مدير مصلحة الآثار بيير لاكو، تشددت الدولة في تطبيق القيود على نظام القسمة، وأصبحت معظم مكتشفات الحفائر تُحفظ في المتحف المصري، ولم يعد يُسمح بخروج أي قطعة إلا في حالات استثنائية توافق عليها الحكومة


جهود الحماية


تنوه الدكتورة علا العبودى إلى استمرار النهج المصري في حماية الآثار مع انضمام مصر إلى اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة ثم بلغت جهود مصر في حماية التراث ذروتها في حملة إنقاذ آثار النوبة خلال مشروع السد العالي في ستينيات القرن العشرين، ففي عام 1959، تقدمت مصر بطلب رسمي إلى منظمة اليونسكو للمساعدة في إنقاذ هذه الآثار، بعد أن رفضت فكرة بيع المعابد لمتاحف أجنبية أطلقت اليونسكو نداءً عالميًا في مارس 1960، واستجابت له نحو 50 دولة، قدمت مساعدات مالية وفنية، وقد تكللت الحملة بنجاح هائل ساهم في تسجيل موقع "معالم النوبة من أبو سمبل إلى فيله" كأحد أوائل المواقع على قائمة اليونسكو للتراث العالمي في عام 1979


في السنوات الأخيرة، شهدت مصر تناميًا ملحوظًا في الوعي المجتمعي بأهمية الحضارة المصرية وقد أسهم افتتاح المتحف المصري الكبير إلى جانب افتتاح وتطوير عدد من المتاحف والمواقع الأثرية، في تعزيز هذا الوعي وترسيخ قناعة شعبية بضرورة استرداد الآثار المصرية الموجودة في المتاحف والمجموعات الأجنبية، خاصة القطع الفريدة



التحديات القانونية


تشير الدكتورة علا العبودى إلى أنه رغم الجهود الدبلوماسية والقانونية التي تبذلها الدولة المصرية، فإن استرداد هذه القطع يواجه تحديات قانونية دولية،ن يأتي في مقدمتها ان اتفاقية اليونسكو عام 1970 لا تُطبق بأثر رجعي، أي إنها لا تسري على عدد كبير من القطع التي غادرت مصر خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. كما تشترط الاتفاقية أن تقدم الدولة الطالبة أدلة تثبت أن القطعة الأثرية خرجت بصورة غير مشروعة. ومن المهم التأكيد على أن هذا لا يعني أن الاتفاقية "تعترف" بشرعية خروج أي قطعة، وإنما لا توفر أساسًا قانونيًا للاسترداد، وهو فرق مهم من الناحية القانونية.


جاء هذا فى الحلقة النقاشية تحت عنوان " استرداد الآثار المنهوبة بين مطرقة حقوق الحضارة وسندان تجاهل المجتمع الدولى" التى أقيمت بمقر النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر مساء أمس تحت رعاية الأستاذ الدكتور علاء عبد الهادي  رئيس النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر  الأمين العام للاتحاد للكتاب والأدباء العرب ونظمتها  لجنة الحضارة المصرية القديمة  بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر برئاسة الكاتب والباحث عبدالله مهدى  بالتعاون مع اللجنة العليا للآثاريين بالنقابة المهنية للسياحيين  برئاسة الدكتور عبدالرحيم ريحان ومؤسسة مصر المستقبل برئاسة الدكتور محمود الشنديدى وذلك فى إطار المبادرة التى طرحتها النقابة المهنية للسياحيين برئاسة المهندس حمدى عز وأمينها العام الأستاذ فارس حسنى


مقترحات للاستفادة


أشارت الدكتورة علا العبودي إلى مقترحات تعد مدخلًا مختلفًا لمعالجة قضية استرداد القطع الأثرية المصرية الكبرى تقوم على الانتقال من التركيز الحصري على الملكية القانونية إلى مفهوم الملكية الثقافية فإن اعتراف المتاحف العالمية بأن هذه القطع تمثل جزءًا أصيلًا من الملكية الثقافية المصرية يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة للتعاون حتى في الحالات التي يصعب فيها المطالبة القانونية بالاسترداد بسبب القيود التي تفرضها الاتفاقيات الدولية وفي هذه الحالة لا يكون الهدف المطالبة بتعويضات مالية وإنما الاعتراف بحق مصر الثقافي في هذا التراث وما يترتب على ذلك من التزامات أخلاقية وثقافية تجاه الدولة صاحبة الحضارة


ويمكن ترجمة هذا الاعتراف إلى برامج تعاون ثقافي طويلة الأمد بين المتاحف بحيث لا يقتصر الاهتمام على عرض القطع الأثرية بل يمتد إلى إبراز عناصر التراث المصري المادي وغير المادي بحيث تستضيف المتاحف العالمية معارض للحرف التقليدية المصرية مثل صناعة النسيج اليدوي ذات الجذور المصرية القديمة أو عروضًا موسيقية تستخدم آلات كالناي والقيثارة (الهارب) فضلًا عن امكانية تنظيم عروض لآلة السمسمية المسجلة تراث لامادى باليونسكو عام 2024 بوصفها أحد عناصر التراث الموسيقي المصري الحي مع إبراز جذور الآلات الوترية في الحضارة المصرية القديمة ومن شأن هذه المبادرات أن تعزز ارتباط القطع الأثرية بسياقها الحضاري والثقافي بدلًا من التعامل معها بوصفها معروضات منفصلة عن بيئتها الأصلية


ولفتت الدكتورة علا العبودى إلى أهمية التعاون فى تنظيم معارض تبادلية مؤقتة بين المتاحف تقوم على مبدأ المنفعة الثقافية المتبادلة.،فعلى سبيل المثال تمتلك مصر مجموعة مهمة من الهدايا والمقتنيات المرتبطة بالإمبراطورة أوجيني التي أصبحت جزءًا من التاريخ المصري منذ زيارتها لمصر عام 1869 وفي المقابل يمكن اقتراح تنظيم معارض مؤقتة تستضيف فيها المتاحف المصرية قطعًا مصرية بارزة محفوظة في متحف اللوفر مثل تمثال كاتب اللوفر دون المساس بملكية المتاحف لها


وعلى الصعيد الدولي قد يكون من المفيد تعزيز التعاون مع الدول الأفريقية التي خاضت تجارب ناجحة في استرداد تراثها الثقافي وفي مقدمتها نيجيريا التي تمكنت من استعادة عدد من برونزيات بنين من متاحف أوروبية وأمريكية كما يمكن لمصر أن تستفيد من تشريعات 2026 اللاحقة لقانون عام2020 الفرنسي الذي سمح بإعادة بعض الممتلكات الثقافية إلى دول أفريقية في حالات محددة بما يعكس تغيرًا في النظرة إلى الإرث الاستعماري ويفتح المجال أمام صيغ جديدة للتعاون الثقافي واستعادة التراث

google-playkhamsatmostaqltradentX