مدينة النفايات
بقلم : عماد الدين محمد
في مدينتي كلُّ الطرقات نظيفةٌ تسرُّ الناظرين.
والمنازل تبهر المارة بحسن معمارها وتتناثر الزهور في شرفاتها، فواحةً بعطر الحياة.
في مدينتي كلُّ شيءٍ هادئٌ، يسحر العيون ويأسر القلوب.
البحر ساكنٌ كأنما يهمس بأسراره والشروق يبعث الأمل والغروب يغسل الأرواح بلون السكينة.
في مدينتي كلُّ شيءٍ جميل إلا هذا الإنسان نعم الإنسان.
ذلك الكائن الذي وهبه الله العقل ليعمر الأرض، فإذا به يهدمها بيديه.
زرع الطمع في قلبه حتى اقتلع الرحمة وسقى الجشع حتى جفَّت ينابيع القناعة.
أصبح المال عنده أغلى من الأخلاق والمنصب أثمن من الكرامة والمصلحة الشخصية فوق كل قيمة.
خان الصديق وغدر بالقريب وباع ضميره بثمنٍ بخس وارتدى قناع الفضيلة بينما يخفي خلفه وجهاً لا يعرف إلا الأنانية.
لوَّث الأرض وقطع الأشجار وسمَّم الأنهار وقتل البراءة وأشعل الحروب وفرَّق بين الإخوة وجعل الكراهية لغةً يتقنها أكثر من المحبة.
صار الكذب ذكاءً والخداع مهارةً والنفاق وسيلةً للنجاح وأصبحت القلوب تُقاس بما تملك لا بما تحمل من خير.
تحولت النفوس إلى مكبٍّ للنفايات نفايات الحقد والحسد والرياء والغرور وحب الذات، حتى غدت الشوارع أنظف من الضمائر والبيوت أجمل من القلوب.
ولم تعد النفايات هي ما يُلقى في الطرقات بل ما استقر في النفوس من قسوة وما تراكم في الأرواح من أنانية وما امتلأت به العقول من أطماع لا تنتهي.
ولو بحثنا عن سبب كل هذا الخراب، فلن نجده في الأرض بل في الإنسان نفسه.
أما الحل فليس بمزيدٍ من المصانع لتنظيف الشوارع، بل بمزيدٍ من المدارس التي تربي والبيوت التي تغرس القيم والقدوات التي تُلهم، والضمائر التي تستيقظ.
الحل أن يعود الإنسان إلى إنسانيته وأن يجعل الصدق منهجًا، والأمانة خُلُقًا والرحمة سلوكًا والعدل ميزانًا والقناعة كنزًا وأن يدرك أن أعظم حضارة ليست تلك التي تبني الأبراج، بل التي تبني الإنسان.
فإذا طهرت القلوب طهرت المدن.
وإذا صلحت النفوس ازدهرت الحياة.
فالمدينة ليست شوارعها ولا مبانيها بل أخلاق أهلها.
وعندما نتخلص من نفايات النفوس سنكتشف أن أجمل مدينة في العالم هي تلك التي يسكنها إنسانٌ يعرف معنى الرحمة ويخاف الله في نفسه وفي الناس من حوله.

