بقلم : أشرف سركيس
قد تنطفئ النيران في دقائق، لكن آثارها النفسية قد تبقى عالقة في الذاكرة لسنوات. وهذا ما يجعل أي حادث سياحي لا ينتهي بإخماد الحريق، بل يبدأ بعده اختبارٌ حقيقي لقدرة الدولة والقطاع السياحي على إدارة الأزمة إنسانيًا قبل أن تكون إداريًا.
لم تستغرق اللحظات الأولى للحريق سوى دقائق معدودة لكنها كانت كافية لتحويل رحلة بحرية حلم بها سائحون وعائلاتهم إلى تجربة قاسية امتزجت فيها مشاعر الخوف والارتباك، بينما كانت ألسنة اللهب والدخان الكثيف تحاصرهم، وسط تساؤلات مؤلمة عن مصيرهم.
لن أتحدث اليوم عن إجراءات السلامة، فقد تناولت هذا الملف مرارًا، وكنت من أوائل من قدموا دراسة متكاملة لإحلال وتجديد اليخوت واللنشات السياحية القديمة بما يتوافق مع أحدث معايير السلامة والتشغيل.
لكن ما يشغلني اليوم هو الإنسان... الضيف الذي جاء إلى مصر باحثًا عن المتعة، فوجد نفسه في مواجهة لحظات عصيبة.
ماذا عاش هؤلاء السائحون خلال تلك الدقائق؟ وماذا شعر الأطفال وهم يشاهدون النيران تقترب منهم؟
وكيف ستبقى تلك المشاهد راسخة في ذاكرتهم؟
فمثل هذه التجارب قد تترك آثارًا نفسية لا تزول بانتهاء الحادث.
ومن هنا تبرز تساؤلات مشروعة: هل تلقى هؤلاء الضيوف الدعم النفسي والمعنوي بعد إنقاذهم؟ وهل حرصت الجهات المعنية على التواصل معهم وطمأنتهم وشرح ملابسات ما جرى؟ وهل وُجهت إليهم رسالة إنسانية تعكس اهتمام مصر بضيوفها في أوقات الشدة؟
كما أن هناك سؤالًا لا يقل أهمية: ماذا سيحمله هؤلاء معهم عند عودتهم إلى بلادهم؟ هل ستكون روايتهم عن حادث مؤلم فقط، أم سيتحدثون أيضًا عن شعب احتواهم، ومسؤولين وقفوا إلى جوارهم، ووطن لم يتركهم وحدهم في أصعب اللحظات؟
إن إدارة الأزمات السياحية لا تُقاس بسرعة السيطرة على الحريق فقط، بل تُقاس أيضًا بكيفية احتواء المتضررين، واستعادة ثقتهم، والحفاظ على الصورة الذهنية للمقصد السياحي المصري.
ومن هذا المنطلق، فإن إطلاق مبادرة إنسانية لدعوة المتضررين إلى رحلة بحرية مجانية على متن أحد أحدث اليخوت السياحية في الغردقة، برعاية وزارة السياحة والآثار، والقطاع السياحي، ورجال الأعمال، مع تقديم اعتذار راقٍ يليق بمكانة مصر، سيكون رسالة حضارية تؤكد أن مصر لا تكتفي بإنقاذ ضيوفها، بل تحرص على جبر خواطرهم وترك أثر طيب في نفوسهم.
فالسياحة ليست فنادق وشواطئ وآثارًا فقط، بل هي إنسانية، وكرم استقبال، وحسن احتواء. وفي الأزمات تُصنع السمعة، وتُكتب القصص التي ينقلها الزائر إلى العالم.
فلنجعل من هذه الأزمة فرصة لإظهار الوجه الحقيقي لمصر؛ دولةً وشعبًا، تؤمن بأن السائح ليس مجرد زائر، بل ضيف عزيز، يستحق الرعاية والاهتمام، حتى يغادر وهو يحمل في قلبه صورة أجمل من أي حادث عابر.

