بقلم د/شيماء الشافعي
في مدرسة المسافات والقلوب
تسير بنا الحياة في دروب متقاطعة
نلتقي فيها بأرواح تمنحنا الدفء وأخرى تعلّمنا كيف نقوى على الصقيع.
وأصعب ما قد يواجهه المرء في هذه الرحلة ليس الفراق بحد ذاته بل محاولة التمسك بظل قرر المغادرة أو إجبار روح على الاستقرار في مكان لم يعد يتسع لها.
إن النضج الحقيقي يبدأ عندما ندرك أن العلاقات الإنسانية لا تُقاد بالإكراه بل بالقبول والاختيار الحر.
في دستور المشاعر الراقية هناك قاعدتان ذهبيتان ترسمان حدود السلام النفسي
أن تشرع أبواب قلبك لمن اختارك طواعية وتفسح المدى واسعاً لمن اختار المضي بعيداً.
المسافة بين القرب والبعد لا تُقاس بالخطوات بل برغبة القلوب في البقاء.
فالذي يقرر المكوث بجانبك لا يحتاج إلى جدران تحجزه ولا إلى عهود تكبّله بل يبقى لأن روحك هي موطنه ومستقره الآمن.
تتجلى قيمة البشر في الأوقات الرمادية؛ فالصديق الحقيقي ليس من يصاحبك في نهاراتك المشرقة فقط بل هو الذي يسند عثرتك حين تتهاوى دون أن يطالبك بضريبة مقابل وفائه أو يرجو من ورائك مصلحة.
وفي المقابل فإن أولئك الذين يسارعون إلى حزم أمتعتهم عند أول عاصفة أو سوء تفاهم بسيط لم يكونوا يوماً جزءاً من قصتك الحقيقية.
رحيلهم المبكر لم يكن خسارة بل كان بصيرة وفرزاً نبيلاً وفّره القدر عليك.
فالمغادرة ليست دائماً طعنة
من الخطأ أن نربط كل غياب بالخيانة؛ فبعض الرحيل تفرضه أمانة المرء مع نفسه ومعك.
عندما يغادر الإنسان لأنه شعر بنفاد طاقته على العطاء أو لأن ملامحه لم تعد تتناسب مع لوحة حياتك فإنه يقدم لك خدمة صادقة وإن كانت مؤلمة.
الألم الحقيقي ليس في وداع شخص رحل عنك.
لكن الخطيئة الكبرى هي أن تحبس نفسك في أطلال علاقة انتهت صلاحيتها في قلب الطرف الآخر.
النضج الأسمى أن تودّع العابرين بسلام بلا تجريح أو محاولات يائسة للإستجداء.
كم من علاقات زوجية تحولت إلى مجرد جدران صامتة وسقف واحد حيث يجمعهم العنوان وتفرقهم المشاعر.
في مثل هذه الحالات يكون التسريح بإحسان والرحيل الواعي أكرم بكثير من استمرار مشوه بلا حياة.
وكم من شراكات مهنية تهاوت لأن طرفاً واحداً كان يحمل عبء الاستمرار بمفرده متوهماً أن الصبر وحده كفيل بإصلاح الخلل بينما تدار الكيانات بالالتزام المتبادل والوضوح لا بالأمنيات.
فالقلوب مواطن أمان وليست معتقلات
العلاقات خُلقت لتكون واحة سكينة لا زنزانة اتهام وتحقيق.
من يدخل قلبك يجب أن يأتي إليه بملء إرادته وشغفه باحثاً عن الأمان لا مدفوعاً بإحساس بالذنب أو الشفقة أو ذكريات الماضي.
أن تمنح حبك لمن يستحق فذلك هو الرقي وأن تمنح الحرية لمن يريد المغادرة فذلك هو منتهى احترامك لذاتك.
سلام على من بقي وسلام على من رحل.
في نهاية المطاف العمر أقصر من أن نهدِره في إقناع أحدهم بجدوى وجودنا في حياته أو في محاولة إثبات قيمتنا لمن يتجاهلها.
من يقدر قيمتك سيخلق من الصخر سبيلاً ليبقى ومن يجهلها سيجد في أتفه الأسباب مبرراً ليرحل.
لذا تنفّس بعمق واجعل لقلبك بوابتين ؛بوابة مشرعة ليردها من أحبك بصدق وبوابة مفتوحة ليخرج منها من وجد راحته في الغياب.
عِش بكرامتك ودع الحياة تصفّي لك من يستحقون البقاء.
