ما وراء المشهد
بقلم : الدكتورة إيناس عمر الصاوي
مدير عام التبادل الثقافي والنشر الأجنبي والترجمة
هناك مباريات تُلعب داخل المستطيل الأخضر، وأخرى تُلعب في قلوب الملايين قبل أن تبدأ.
ومواجهة مصر والأرجنتين ليست مجرد لقاء كروي جديد، بل هي لحظة وطنية تتجاوز حدود الرياضة، يتحول فيها الشارع المصري إلى لوحة واحدة، وتصبح الكرة لغةً يتحدث بها الجميع.
منذ الإعلان عن المباراة، تغير إيقاع الحياة في مصر المقاهي بدأت تجهيز شاشاتها العملاقة، والأعلام المصرية خرجت من الأدراج قبل ساعات من اللقاء وأحاديث الناس في المواصلات وأماكن العمل وعدة ارجاء لم تعد تدور إلا حول سؤال واحد: هل يستطيع الفراعنة كتابة صفحة جديدة في تاريخ الكرة المصرية؟
هذه ليست المرة الأولى التي يوحد فيها المنتخب المصري مشاعر المصريين، لكنه هذه المرة يقف أمام أحد أكبر عمالقة كرة القدم في العالم.
منتخب يحمل تاريخًا مليئًا بالبطولات والنجوم، بينما يحمل المنتخب المصري شيئًا لا يُقاس بالأرقام… يحمل حلم شعب بأكمله.
الغريب في كرة القدم أنها تُسقط الفوارق الاجتماعية في لحظة واحدة.
الوزير والعامل، الأستاذ الجامعي والطالب الطبيب والسائق، الجميع يجلسون أمام الشاشة بالطريقة نفسها، ينتظرون الكرة الأولى وكأنها رسالة تحدد ملامح يوم كامل. في تلك الدقائق، تختفي الانتماءات الصغيرة ويبقى انتماء واحد اسمه مصر.
ولا يتعلق الأمر فقط بالفوز أو الخسارة، فالمصريون تعلموا عبر عقود طويلة أن كرة القدم ليست مجرد نتيجة وإنما حالة وجدانية كاملة.
يكفي أن ترى طفلًا يرتدي قميص المنتخب، أو أبًا يشرح لابنه تاريخ الكرة المصرية أو أمًا تدعو الله أن يحفظ اللاعبين ويوفقهم، لتدرك أن المنتخب أصبح جزءًا من الهوية الوطنية.
وربما يكون المشهد الأجمل هو ذلك التفاؤل المصري الذي لا ينطفئ. فمهما كانت قوة المنافس، يبقى الإيمان حاضرًا بأن المستحيل قد يتحقق داخل تسعين دقيقة. هذه الروح هي التي صنعت عبر التاريخ أجمل مفاجآت كرة القدم وهي التي تجعل المصريين يدخلون كل مباراة وكأنها بداية جديدة.
الأرجنتين تمتلك أسماء لامعة ومدرسة كروية عريقة، لكن مصر تمتلك جمهورًا يعرف كيف يمنح لاعبيه طاقة لا تُشترى ولا تُقاس.
ملايين القلوب ستنبض مع كل تمريرة وسترتفع الدعوات مع كل هجمة، وستتوقف الأنفاس مع كل فرصة على المرمى.
في مثل هذه الليالي، تتحول مصر إلى مدرج واحد يمتد من الإسكندرية إلى أسوان، ومن سيناء إلى مطروح.
لا أحد يسأل الآخر عن انتمائه السياسي أو الاجتماعي ولا عن عمره أو مهنته؛ الجميع يرتدون قميص الوطن والجميع يهتفون باسم مصر.
وربما تكون هذه هي أعظم هدايا كرة القدم؛ أنها تمنح الشعوب لحظات نادرة من الوحدة الخالصة، وتعيد تذكير الجميع بأن الوطن يستطيع أن يجمع أبناءه حول حلم واحد، حتى لو كان ذلك الحلم يبدأ بصافرة حكم وينتهي بابتسامة شعب.
اليوم لا ينتظر المصريون مباراة فقط… بل ينتظرون لحظة يكتب فيها أبناؤهم فصلًا جديدًا من الحلم ويؤكدون أن كرة القدم ليست مجرد لعبة، وإنما مرآة لروح أمة تعرف كيف تؤمن بنفسها حتى النهاية.





