هنا اقتصاد يُصنع
بقلم : نيللي الحمزاوي
حين يغادر المنتج الغذائي خط الإنتاج، يظن كثيرون أن رحلة التصنيع قد انتهت.
لكن داخل أكثر مصانع الأغذية تطورًا في العالم، تبدأ رحلة جديدة... رحلة لا يكون بطلها المنتج، بل ما تبقى منه.
فقشور البرتقال، وبذور الطماطم، وتفل الفاكهة، ومخلفات الخضروات، ومياه الغسيل، وحتى العبوات غير المطابقة للمواصفات التسويقية، كانت تُصنَّف يومًا على أنها "نفايات". أما اليوم، فهي تُعرف باسم آخر... مواد خام لصناعات جديدة.
لقد تغيرت نظرة العالم إلى المخلفات الغذائية، فلم يعد السؤال: كيف نتخلص منها؟ بل أصبح: كيف نحولها إلى قيمة اقتصادية؟
في الاقتصاد الحديث، لا تُقاس كفاءة المصنع بعدد الأطنان التي ينتجها فقط، بل أيضًا بقدرته على تقليل الفاقد، وإعادة استخدام الموارد، وتحويل ما كان يُهدر إلى مصدر دخل جديد.
ولعل قشور البرتقال تقدم مثالًا واضحًا؛ فبعد استخراج العصير، لا تنتهي قيمة الثمرة، إذ يمكن استخلاص الزيوت العطرية المستخدمة في الصناعات الغذائية ومستحضرات التجميل، كما يمكن الاستفادة من الألياف الطبيعية في صناعات أخرى، بينما تتحول البقايا العضوية إلى سماد أو مصدر للطاقة الحيوية.
والأمر نفسه ينطبق على تفل الطماطم، الذي يمكن أن يدخل في إنتاج الأعلاف أو استخلاص مركبات ذات قيمة صناعية، وعلى بذور العنب والرمان، التي أصبحت في بعض الدول مصدرًا لزيوت عالية القيمة.
إن ما يُلقى في سلة المخلفات داخل مصنع، قد يمثل المادة الخام الأساسية لمصنع آخر، وهنا يولد مفهوم الاقتصاد الدائري؛ اقتصاد لا يؤمن بكلمة "نفايات"
بل يؤمن بأن كل مورد يمكن أن يبدأ دورة إنتاج جديدة.
ولم تعد هذه الفكرة مجرد خيار بيئي، بل أصبحت قرارًا اقتصاديًا؛ فكل كيلوغرام من المخلفات يُعاد استغلاله يعني تكلفة أقل، وعائدًا إضافيًا، واستهلاكًا أقل للموارد وانبعاثات أقل، وقدرة أكبر على المنافسة في الأسواق التي أصبحت تمنح أهمية متزايدة للاستدامة.
وفي مصر، تمتلك الصناعات الغذائية فرصة كبيرة في هذا المجال، فمع تنوع الإنتاج الزراعي والغذائي، تتوافر كميات ضخمة من المخلفات العضوية التي يمكن تحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة، مثل الأسمدة العضوية والأعلاف، والغاز الحيوي، والزيوت الطبيعية، والمكونات الغذائية، والمواد المستخدمة في الصناعات الدوائية والتجميلية.
وهذا يعني أن المصنع لا يستطيع فقط بيع ما ينتجه
بل يمكنه أيضًا تحقيق دخل من مخلفاته.
إن المصنع الذكي لم يعد يسأل: كم أنتجنا اليوم؟ بل يسأل أيضًا: كم فرصة جديدة خلقنا مما كنا نهدره بالأمس؟
نبض السوق المصري
يشهد الاهتمام بالاقتصاد الدائري والاستدامة تزايدًا في القطاع الصناعي المصري، مع توجه متنامٍ للاستفادة من المخلفات الزراعية والغذائية في إنتاج الأسمدة العضوية والأعلاف، والطاقة الحيوية، بما يرفع كفاءة استخدام الموارد ويعزز تنافسية الصناعة.
رقم الأسبوع
كل كيلوغرام من المخلفات يمكن أن يكون بداية لمنتج جديد.
وفي عالم الصناعة الحديثة، تُقاس القيمة ليس فقط بما يخرج من خط الإنتاج، بل أيضًا بما لا يذهب إلى الهدر.
دراسة حالة مصرية
نجحت مصانع مصرية في قطاع العصائر والفاكهة في الاستفادة من بعض المخلفات النباتية لإنتاج الأعلاف والأسمدة العضوية، بينما تتوسع مشروعات أخرى في تحويل المخلفات العضوية إلى غاز حيوي (Biogas) يُستخدم في إنتاج الطاقة، وهو نموذج يجمع بين الجدوى الاقتصادية والحفاظ على البيئة.
نافذة عالمية
في العديد من الدول الصناعية، أصبحت الاستدامة جزءًا من استراتيجية الأعمال؛ فشركات الأغذية الكبرى تستثمر في إعادة استخدام المخلفات لإنتاج الطاقة، واستخلاص المكونات الطبيعية، وتقليل الفاقد، ليس فقط لحماية البيئة، بل أيضًا لزيادة الربحية وتحسين الكفاءة التشغيلية.
فكرة تستحق الاستثمار
ماذا لو أُنشئت في مصر شركات متخصصة في شراء المخلفات الغذائية من المصانع وتحويلها إلى منتجات جديدة؟
لن يكون ذلك مشروعًا بيئيًا فقط، بل قطاعًا صناعيًا جديدًا يخلق فرص عمل، ويخفض تكاليف الإنتاج ويضيف قيمة اقتصادية حقيقية.
هل تعلم؟
تشير التجارب العالمية إلى أن الشركات التي تطبق مبادئ الاقتصاد الدائري تستطيع خفض تكاليف التشغيل وتحسين كفاءة استخدام الموارد، وتعزيز صورتها لدى الأسواق والمستهلكين الذين يفضلون المنتجات المستدامة.
سؤال العدد
إذا كنت تمتلك مصنعًا غذائيًا هل ستنظر إلى المخلفات باعتبارها عبئًا يجب التخلص منه، أم باعتبارها فرصة استثمارية يمكن أن تفتح بابًا جديدًا للدخل؟

