بقلم : رشا يوسف
في كل عصر تواجه المجتمعات تحديات أخلاقية، لكن ما يميز عصرنا أن كثيرًا من السلوكيات التي كانت تُستنكر بالأمس أصبحت تُقابل اليوم بالاعتياد، بل وأحيانًا بالتشجيع أو التبرير. والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف أصبح المنكر مألوفًا في نظر البعض؟
يُعد التكرار من أهم الأسباب؛ فالإنسان بطبيعته يعتاد ما يراه باستمرار، حتى وإن كان في البداية يرفضه. وعندما تتكرر المشاهد أو السلوكيات المخالفة للقيم في وسائل الإعلام أو على منصات التواصل الاجتماعي، قد يضعف الشعور باستنكارها مع مرور الوقت.
كما أن لتأثير الجماعة دورًا كبيرًا؛ فكثير من الناس يتأثرون بما يفعله المحيطون بهم، فإذا انتشر سلوك معين وأصبح شائعًا، شعر البعض بأنه أمر طبيعي، حتى لو كان يخالف ما تربوا عليه من قيم ومبادئ.
كذلك يسهم ضعف التربية الأخلاقية في هذه الظاهرة فغرس القيم يحتاج إلى الاستمرار داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع، وعندما يضعف هذا الدور يصبح من السهل أن يتأثر الفرد بما يراه حوله أكثر مما يتأثر بما تعلمه.
ولا يمكن إغفال دور الإعلام والمنصات الرقمية، التي تمتلك قدرة كبيرة على تشكيل الرأي العام. فعندما تُقدَّم بعض السلوكيات المخالفة للأخلاق على أنها رمز للنجاح أو الحرية أو التطور، قد يختلط الأمر على البعض، ولا سيما صغار السن.
إضافةً إلى ذلك، فإن التبرير المستمر للأخطاء يُعد من أبرز أسباب اعتيادها؛ فبدلًا من الاعتراف بالخطأ والسعي إلى تصحيحه، أصبح من السهل البحث عن مبررات تقلل من خطورته، حتى يفقد المجتمع تدريجيًا حساسيته تجاهه.
لكن اعتياد رؤية الخطأ لا يجعله صوابًا، وانتشاره لا يمنحه الشرعية. فالقيم لا تُقاس بعدد من يلتزم بها أو يخالفها، وإنما بما تحمله من خير وعدل ورحمة واحترام لكرامة الإنسان.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالتشدد في الأحكام
أو بإدانة الناس، وإنما بإحياء القدوة الحسنة، وتعزيز الحوار، وترسيخ القيم في الأسرة والمؤسسات التعليمية وتشجيع السلوك الإيجابي. فالإصلاح يبدأ عندما يحافظ كل فرد على مبادئه، ويكون نموذجًا حسنًا في تعامله مع الآخرين.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام كل واحد منا: هل نتكيف مع الخطأ لأنه أصبح مألوفًا، أم نحافظ على قيمنا ومبادئنا حتى وإن خالفنا كثيرون؟
