recent
أخبار ساخنة

هنا اقتصاد يُصنع : الزراعة التعاقدية... عندما يربح المزارع والمصنع معًا

وليد رزق
الصفحة الرئيسية


بقلم : نيللي الحمزاوي

في الماضي، كان المزارع يزرع أولًا، ثم يبدأ رحلة البحث عن مشترٍ لمحصوله. وفي المقابل، كان المصنع ينتظر موسم الحصاد على أمل أن يجد الكميات التي يحتاجها بالجودة والسعر المناسبين. وكانت النتيجة، في كثير من الأحيان، تقلبات في الأسعار، وعدم استقرار في الإمدادات، وخسائر يتحملها الطرفان.

لكن اليوم، تتجه الدول التي تمتلك صناعات غذائية قوية إلى نموذج مختلف، وهو الزراعة التعاقدية.

في هذا النموذج، لا تبدأ العلاقة بين المزارع والمصنع بعد الحصاد، بل تبدأ قبل أن تُزرع البذور. يجلس الطرفان معًا، ويتفقان على نوع المحصول، والكميات المطلوبة والمواصفات الفنية، وموعد التسليم، وأحيانًا آليات التسعير والدعم الفني.

وبذلك، يعرف المزارع منذ البداية أن محصوله سيجد مشتريًا، ويعرف المصنع أنه سيحصل على خامات تتوافق مع احتياجاته.

وتقلل هذه العلاقة من عنصر المفاجأة؛ فالمزارع لا يزرع في ظل غموض السوق، والمصنع لا يواجه نقصًا مفاجئًا في المواد الخام.

وتزداد أهمية هذا النموذج في الصناعات الغذائية، لأن كثيرًا من المنتجات تعتمد على محاصيل لا يمكن تأجيل حصادها أو تخزينها لفترات طويلة دون تجهيز مناسب. 


فعندما يحتاج مصنع إلى طماطم لإنتاج الصلصة

 أو فراولة للتجميد، أو بطاطس للتصنيع، فإن انتظام الإمدادات وجودة المحصول يصبحان جزءًا أساسيًا من نجاح المنتج النهائي.

ولا يقتصر دور الزراعة التعاقدية على توفير المحصول فقط، ففي كثير من التجارب الناجحة، تقدم الشركات للمزارعين الإرشاد الزراعي، والتقاوي المعتمدة، والمتابعة الفنية، بما يساعد على رفع الإنتاجية وتحسين الجودة ويعود بالنفع على الطرفين.

ولهذا، فإن الزراعة التعاقدية ليست مجرد عقد شراء، بل هي شراكة اقتصادية طويلة الأجل تقوم على الثقة وتقاسم المسؤولية، وتحقيق قيمة مضافة للجميع.

وعندما تستقر العلاقة بين المزرعة والمصنع، تصبح سلاسل الإمداد أكثر كفاءة، ويزداد استقرار الإنتاج وتتحسن القدرة على الوفاء بعقود التصدير، وهو ما يعزز تنافسية المنتج المصري في الأسواق العالمية.

إن الصناعة الغذائية لا تبدأ عند بوابة المصنع، بل تبدأ عندما يزرع المزارع وهو يعلم أن جهده سيجد طريقه إلى منتج يحمل شعار «صنع في مصر».

نبض السوق المصري

تولي مصر اهتمامًا متزايدًا بالتوسع في تطبيق منظومة الزراعة التعاقدية، خاصة في المحاصيل الاستراتيجية والمحاصيل المرتبطة بالصناعات الغذائية، بهدف تحقيق استقرار أكبر في سلاسل الإمداد، وتحسين جودة الإنتاج وتعزيز القيمة المضافة للصناعة.

رقم الأسبوع

كل عقد ناجح بين مزارع ومصنع يعني سلسلة إنتاج أكثر استقرارًا. ورغم أن نجاح الزراعة التعاقدية لا يُقاس برقم واحد، فإن أثرها يظهر في تقليل الفاقد، وتحسين جودة المحاصيل، واستقرار الإمدادات، وهي عوامل تنعكس مباشرة على نمو الصناعات الغذائية.

دراسة حالة مصرية

تعتمد العديد من مصانع تصنيع الطماطم، والبطاطس والفراولة، والأعشاب الطبية والعطرية على التعاون المباشر مع المزارعين لضمان الحصول على خامات بالمواصفات المطلوبة، وهو نموذج يسهم في تحسين الجودة وتقليل المخاطر على جميع الأطراف.

نافذة عالمية

في العديد من الدول الرائدة في الصناعات الغذائية أصبحت الزراعة التعاقدية أساسًا لسلاسل الإمداد الزراعية. فشركات الأغذية لا تكتفي بشراء المحاصيل، بل تشارك في تحسين الإنتاج من خلال التدريب، والمتابعة الفنية، واستخدام التكنولوجيا الزراعية، بما يضمن استدامة الجودة والإنتاج.

فكرة تستحق الاستثمار

يمثل الاستثمار في منصات رقمية تربط المزارعين بالمصانع، وتوفر بيانات عن المحاصيل، ومواعيد التوريد وجودة الإنتاج، فرصة واعدة لتطوير سلاسل الإمداد الزراعية والغذائية في مصر، وتعزيز كفاءة السوق.

هل تعلم؟

كلما كانت العلاقة بين المزارع والمصنع أكثر استقرارًا انخفضت تقلبات الإمدادات، وارتفعت قدرة الشركات على التخطيط للإنتاج والتوسع في التصدير، لأن الالتزام بالعقود الخارجية يبدأ من ضمان توافر المادة الخام.

سؤال العدد

إذا كنت صاحب مصنع غذائي، فهل تفضل شراء المحاصيل من السوق في كل موسم، أم بناء شراكات طويلة الأجل مع المزارعين من خلال الزراعة التعاقدية؟

وما الذي تعتقد أنه سيمنح مصنعك ميزة تنافسية أكبر على المدى البعيد؟

فالنجاح في الصناعات الغذائية لا يبدأ داخل المصنع فقط، بل يبدأ عندما يثق المزارع والمصنع في مستقبل يصنعانه معًا.

هنا اقتصاد يُصنع.

google-playkhamsatmostaqltradentX