بيانات صماء وعقول حائرة وحرب الإحداثيات الكارثية
كتبت - منى منصور السيد
يمثل هذا الطرح قراءة تحليلية معمقة تتناول المقال الأخير لمعالي اللواء دكتور سمير فرج، والذي يأتي كحلقة ختامية وثلاثية استراتيجية هامة تسلط الضوء على واحدة من أعقد قضايا العصر الحديث. ومن خلال هذا التحليل، يتضح كيف نجح معالي اللواء في صياغة رؤية شاملة ومترابطة الأركان، تشرح أبعاد هذا التحول التكنولوجي وتأثيراته الممتدة على كافة الأصعدة.
تتجلى الأهمية الفائقة للمقال الأخير لمعالي اللواء سمير فرج في كونه لا يقدم رصداً تكنولوجياً مجرداً، بل يضع دليلاً استرشادياً يربط بين حتمية التطوير العلمي وضرورة الحذر العسكري، ومسؤولية الحوكمة السياسية والأخلاقية؛ مؤكداً أن حماية مستقبل البشرية تعتمد بالدرجة الأولى على إبقاء الآلة دائماً تحت طوع الوعي الإنساني والغطاء القانوني الدولي.
فمن الناحية العلمية والتكنولوجية، يفكك المقال الأخير لمعالي اللواء أعقد المفاهيم التقنية مثل تقنيات التعلم العميق والأنظمة ذاتية التحكم، محولاً إياها من سياقها النظري إلى سياق تطبيقي حي، ومبرزاً معضلة جوهرية تتمثل في أن وفرة البيانات ودقتها الرقمية لا تعني بالضرورة صواب القرار نتيجة افتقار الآلة لـ "الوعي بالسياق". كما يضع الإصبع على ثغرة علمية أزلية وهي المخاطر السيبرانية المتزامنة، موضحاً أن التطور التقني يولد تلقائياً أساليب هجومية مضادة، مما يفتح آفاقاً جديدة للبحث العلمي حول كيفية بناء أنظمة متطورة قادرة على التكيف دون الوقوع في فخ الأخطاء النظامية.
أما من المنظور العسكري، فإن المقال يعيد تعريف العقيدة القتالية ومفهوم إدارة الصراعات في المستقبل وتبرز قيمته في وضع محددات واضحة لشكل الجيوش القادمة عبر مفهوم التكامل بين البشر والأنظمة الذكية رافضاً فكرة استبدال العنصر البشري بالكامل. ويقدم معاليه تحذيراً تكتيكياً وعملياتياً بالغ الأهمية؛ فالاعتماد المطلق على الآلة قد يؤدي إلى كوارث ميدانية نتيجة غياب المرونة العسكرية التي يتمتع بها القائد البشري في تقييم المواقف المفاجئة، فضلاً عن طرحه رؤية ثورية حول دور التقنيات الحديثة في اختصار الفترات الزمنية للتدريب العسكري المشترك عبر محاكاة البيئات الافتراضية داخل الغرف الدراسية.
وعلى المستوى السياسي والجيوسياسي، يمثل المقال صرخة تحذيرية للمجتمع الدولي وصناع القرار حول مخاطر سباق التسلح الرقمي، حيث إن سعي القوى الكبرى لحيازة التفوق التكنولوجي دون ضوابط يزيد من حدة التوترات الدولية وينذر باندلاع صراعات ناتجة عن أخطاء تقنية غير مقصودة. وتظهر الأهمية السياسية الفائقة هنا في تسليط الضوء على الفراغ التشريعي الدولي، مستشهداً بفوضى المدارات الفضائية الحالية وداعياً بوضوح إلى ضرورة صياغة معاهدات دولية جديدة تضمن الاستخدام الآمن والأخلاقي لهذه الأنظمة العسكرية لسن قوانين تمنع اندلاع أي شرارة لنزاع ناتج عن أخطاء برمجية قد تمتد لتؤثر على سيادة الدول.
