محمد جاد هزاع.. عرّاب جيل حوّل الفكر إلى فعل والإبداع إلى رسالة وطنية
كتبت ـ مروة محمد عبد المنعم
أكتب عن تجربتي مع أبي الروحي، ذلك الإنسان الذي أخذ بيدي الحانية والقوية في آنٍ واحد، ومنحني شرفًا رفيعًا حين كنت حطام إنسانة خرجت لتوّها من تجربة مريرة، لا تعلم على أي شاطئ من شواطئ الحياة يمكن أن تجد بقايا سفينتها. كانت يده طوق النجاة الذي جعلني راهبة عشق في بلاط صاحبة الجلالة "الصحافة".
هذا القلم الذي علّمنا جميعًا كيف يخرج الكاتب من ضيق التنظير إلى رحابة التطبيق، وكيف تتحول الأفكار إلى واقع يلامس الناس ويصنع أثرًا حقيقيًا في المجتمع. إننا نكون أمام نموذج استثنائي من المبدعين؛ ذلك هو الكاتب الصحفي والمفكر السياسي محمد جاد هزاع، الذي لم يكتفِ بكتابة الكلمات بل جعل منها جسورًا تعبر بالوعي إلى آفاق أوسع، وجعلنا نغرم بالعشق على طريقته الخاصة.
رسم بخبرته نقوشًا على جدار قلب متعب، فكان "وجودك حبًّا يمكن أن يغفر وجودك ذنبًا"، وما بين عشق الروح وإعمال العقل كان "سر مصر.. قصة رد شرف"، ومن "دولة الدراويش" ترنمت "نصوص الوادي المقدس"، التي رسمت بفرشاة العشق "رتوشًا على وجه الدين والوطن". فكانت أعظم التجليات لقلم علّمني الكثير، ولكني كثيرًا ما أعود لأغترف من ينبوع "إبداعه التكاملي" الذي أصبح مدرسة ولونًا أدبيًا يميز صاحبه، ويعكس قراءاته الواسعة لآلاف المراجع والكتب والتراجم التي تعج بها مكتبته، والتي رأيتها بعيني حين كنت أزوره مع مريديه في بيته، أو "بيت الأمة" بقرية طحانوب، أرض الياسمين.
هناك مزج بين عشق الروح وإعمال العقل، وبين الإيمان بالوطن والإيمان بالإنسان.
وأنا أكتب عن عرّابي وعرّاب جيلي، أجد قلمي حائرًا من أين يبدأ؛ فهذا الابن البار، المغرق في مصريته، ليس مجرد كاتب أو محلل سياسي، بل حالة فكرية وإنسانية متفردة. هو ابن قرية طحانوب بمحافظة القليوبية، ابن الأرض المصرية الطيبة التي أنجبت رجالًا حملوا الوطن في قلوبهم قبل أن يحملوه في مواقعهم.
كان للأم دور البطولة الأولى في رحلته؛ تلك السيدة البسيطة التي لم تنل حظًا وافرًا من التعليم، لكنها آمنت بقيمته، فحرصت على تعليم أبنائها، وكانت تحفظ كتبهم بالألوان وتتابع دراستهم بإصرار ومحبة. ومن هنا بدأت رحلة تكوين الشخصية التي ستصبح لاحقًا أحد أبرز الأقلام الصحفية والفكرية في مصر والعالم العربي.
هذه الأم العظيمة غرست فيه الانتماء وعشق الأم الكبرى مصر، الحضارة الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، فكان هذا الابن البار الذي سرى في دمه نيل مصر، الذي روى أرضها بالحضارة كما رواها أبناؤها الأحرار بدمائهم الزكية. عشق الأرض الخضراء، وحصاد القمح الذهبي، ونسمة العصارى على شط الترعة، وشجرة الجازورين التي تتدلى جدائلها فوق الماء العذب وصوت الكروان، وخرير الشاي المنساب من البراد فوق الفحم في أمسيات الريف الهادئة. وسط هذا الثراء الحضاري والإنساني تهيأ ونما ذلك العشق.
تخرج في جامعة الأزهر الشريف، حاصلًا على ليسانس الترجمة الفورية باللغة الإنجليزية، لينطلق بعدها في مسارات متعددة جمعت بين الصحافة والعمل الوطني والسياسي والثقافي. وفي منتصف السبعينيات بدأ مشواره السياسي، حيث شارك في تأسيس حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي متأثرًا بالفكر الوطني والاجتماعي للزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ومؤمنًا بالمبادئ الاشتراكية والعدالة الاجتماعية.
كما أسس جمعية النهوض بالمجتمع المدني، إيمانًا منه بأن دور المثقف لا يقتصر على التنظير، بل يمتد إلى خدمة المجتمع وإصلاحه ونشر الوعي المستنير بين أبنائه.
ولأن الصحافة، قبل أن تكون مهنة، هي رسالة تنوير، وليست مجرد نقل أصم للخبر، بل ترجمة لخبرات ونبض قلب يؤمن بميثاق الشرف الصحفي، وبأن رفعة الأوطان تُبنى على المصداقية؛ فقد شارك مع آخرين في تأسيس حركة "صحفيون من أجل التغيير"، مؤمنًا بأن الصحافة الحقيقية لا تعرف الجمود وأن الكلمة الحرة يجب أن تظل دائمًا في حالة تجدد وثورة على القوالب التقليدية.
تدرج في العمل الصحفي حتى أصبح من أبرز الكتاب والمحللين السياسيين على الساحة العربية، وعمل مراسلًا لعدد من كبريات الصحف العربية، منها جريدة "السياسية" الكويتية وجريدة "الدستور" الأردنية، كما تولى منصب نائب رئيس تحرير مركز معلومات جريدة الجمهورية، ورئيس قسم الشؤون الدولية والتحليلات السياسية بجريدة المساء المصرية، إلى جانب عضويته في نقابة الصحفيين واتحاد كتاب مصر.
كما خدم في جيش مصر العظيم ضابط احتياط بجهاز المخابرات الحربية والاستطلاع لمدة ثلاث سنوات، وهي تجربة انعكست بوضوح على رؤيته الوطنية وإدراكه العميق لقضايا الأمن القومي والانتماء الوطني.
ولعل من أبرز إسهاماته الثقافية "صالون هزاع الثقافي" بوسط القاهرة بشارع الألفي، الذي تحول إلى منبر للفكر المستنير والحوار الوطني الجاد يجمع نخبة من رموز الصحافة والسياسة والأدب والفن، ويمنح الشباب مساحة حقيقية للمعرفة وتبادل الخبرات وتصحيح المفاهيم. لذلك أدعو كل شباب مصر وكل المثقفين إلى زيارة هذا الصالون الأدبي بهيئة خريجي الجامعات بوسط القاهرة.
إن محمد جاد هزاع ليس مجرد كاتب صحفي أو مفكر سياسي، بل هو نموذج للمثقف الذي عاش بين الناس وحمل همومهم، وطبق أفكاره على أرض الواقع، ووهب نفسه وأبناءه وأحفاده لخدمة المجتمع، فسرى في دمائهم ذلك الدم المصري الحر الأصيل.
لقد استحق أن يكون عرّاب جيل كامل آمن بأن المعرفة مسؤولية، وأن الوطن يستحق أن نمنحه الفكر والعمل معًا. إنه واحد من أبناء مصر الذين لم يسكنوا أبراج النخبة العاجية، بل اختاروا أن يكونوا بين الناس، يزرعون الوعي ويحصدون المحبة، لتبقى سيرتهم شاهدًا على أن الكلمة حين تخلص لوطنها تتحول إلى فعل، وأن الفكر حين يقترن بالعمل يصبح رسالة خالدة.
وهذا هو الفرق بين المثقف والمتثاقف... كما علّمني أبي الروحي:
محمد جاد هزاع.
