recent
أخبار ساخنة

فرشاة من نور تتحدى عتمة الوهن.. كيف قهرت ابنة المنوفية ضمور العضلات بالألوان؟

وليد رزق
الصفحة الرئيسية

فرشاة من نور تتحدى عتمة الوهن.. كيف قهرت ابنة المنوفية ضمور العضلات بالألوان؟



كتبت - منى منصور السيد

في قلب المعاناة يولد النور، وفي تفاصيل الضعف الإنساني تتجلى أحيانًا قوة روحية مذهلة تعيد ترتيب أبجديات المستحيل. هذه الحقيقة تجسدها الشابة المصرية دعاء محمد السيد، ابنة محافظة المنوفية

التي لم تقف مكتوفة الأيدي أمام زحف مرض «ضمور العضلات» على جسدها، بل حوّلت كرسيها المتحرك إلى منصة انطلاق نحو عالم الفن التشكيلي، لتصبح قصتها واحدة من أكثر القصص إلهامًا في مواجهة الحياة بالريشة والألوان.


بدأت حكاية دعاء كأي طفلة تمرح وتركض، حتى تسلل المرض إلى جسدها في سن الثالثة، لتبدأ رحلة مضنية بين عيادات الأطباء وغرف العمليات، التي لم تزد الأمر إلا تعقيدًا. وانتهى بها المطاف إلى استخدام الكرسي المتحرك مع بداية المرحلة الثانوية.


ولم تتوقف المحنة عند حدود العجز الجسدي، بل امتدت لتنال من حلمها بالالتحاق بكلية الفنون الجميلة، نظرًا لظروفها الصحية وصعوبة الانتقال والاغتراب، مما أدخلها في عزلة طويلة بين جدران غرفتها، لا تغادرها إلا لزيارة الطبيب.


لكن الروح المبدعة لا يمكن أن تُسجن طويلًا. فمن رحم تلك العزلة وُلدت شرارة التحول، عندما امتدت أناملها الضعيفة لترسم لوحة مدرسية لشقيقها. كانت تلك اللوحة بمثابة طوق نجاة انتشلها من اليأس إلى آفاق الأمل بعدما شعرت أن الله قد سلبها القدرة على السير، لكنه منحها موهبة فنية وبصيرة إبداعية تسع الكون بأكمله.


بدأت دعاء رحلة شاقة لتطوير ذاتها، تحدّت خلالها ضعف عضلات يديها وصعوبة الإمساك بالفرشاة. فتعلّمت قواعد الخط العربي، وأتقنت الرسم بالفحم والزيت والباستيل والرصاص والألوان المائية. ولم تكتفِ بالأساليب التقليدية، بل ابتكرت خاماتها الخاصة مستخدمة الشاي والعسل في الرسم، لتصنع لوحات بورتريه تنبض بالحياة إلى جانب تميزها في فن الأركيت والمنحوتات الخشبية بمساعدة والدها.


ولا تكمن القيمة الحقيقية في مسيرة دعاء في قدرتها على الرسم رغم المرض فحسب، بل في تحولها من الانعزال إلى العطاء والمشاركة. فالفتاة التي كانت تخشى مواجهة العالم أصبحت اليوم تنقل خبراتها إلى الأجيال الجديدة من خلال تقديم ورش تدريبية للأطفال لتعليمهم مبادئ الرسم، كما شاركت بإبداعاتها في العديد من المحافل والمعارض الفنية، وحصدت المركز الأول على مستوى محافظتها، وحققت حضورًا مميزًا في ملتقى «أولادنا» الدولي لفنون ذوي القدرات الخاصة، ومعرضي «تراثنا» و«دافنشي»، لتقدم للجميع درسًا حقيقيًا في قوة الإرادة والتحدي.


ووراء هذا الصمود تقف أسرة آمنت بقدرات ابنتها فكانت والدتها الجسر الذي عبرت عليه نحو الحياة، وكان والدها السند الذي يساعدها في تنفيذ الأعمال التي تتطلب جهدًا عضليًا في الخشب والأركيت.

واليوم، وهي تتطلع بعينين مملوءتين بالأمل إلى تأسيس معرضها الفني الكبير الذي يحمل اسمها، تظل دعاء محمد السيد نموذجًا حيًا يثبت أن الإعاقة الحقيقية هي إعاقة الروح لا الجسد، وأن الإنسان قادر بالصبر والعزيمة على أن يصنع من محنته منحة، ومن ضعفه قوة تلهم كل من يمر بلحظة انكسار.

google-playkhamsatmostaqltradentX