recent
أخبار ساخنة

الدكتورة إيناس عمر الصاوي |تكتب ما وراء المشهد | حين تهتف مصر بصوتٍ واحد



   ما وراء المشهد 

بقلم : الدكتورة إيناس عمر الصاوي 

مدير عام التبادل الثقافي والنشر الأجنبي والترجمة 


مباراة إيران… والانتصار الحقيقي الذي صنعته فرحة المصريين

ليست كل المباريات تُقاس بعدد الأهداف، ولا كل الانتصارات تُسجل في دفاتر الإحصاءات. فهناك مباريات تكتبها الجماهير قبل أن يكتبها المعلقون، وتصنعها المشاعر قبل أن يحسمها الحكم بإطلاق صافرة النهاية. 

هكذا كانت مواجهة المنتخب المصري أمام إيران، التي تحولت من حدث رياضي إلى مشهد وطني أعاد إلى المصريين واحدة من أجمل لحظات التلاحم التي يحتاج إليها أي مجتمع.



في زمن تتزاحم فيه الأخبار الثقيلة، وتفرض الأزمات نفسها على تفاصيل الحياة اليومية، جاءت كرة القدم لتذكر الجميع بأن الفرحة لا تزال ممكنة، وأن المصريين رغم اختلافاتهم، يجتمعون دائمًا عندما يكون اسم مصر حاضرًا في المنافسات الدولية. لم يكن أحد يسأل عن انتماء سياسي أو طبقة اجتماعية أو محافظة ينتمي إليها الآخر، بل كان السؤال الوحيد: هل ستنتصر مصر؟


المشهد خارج الملعب كان لا يقل أهمية عن ما جرى داخله. ففي المقاهي، وفي المنازل، وفي النوادي، وحتى في الشوارع التي ازدحمت بعد نهاية اللقاء، كانت هناك صورة واحدة تتكرر؛ أعلام مصر ترفرف، وابتسامات ترتسم على وجوه الكبار قبل الصغار، وكأن الشعب كله استعاد للحظات شعورًا افتقده منذ فترة، وهو الفرح الجماعي.



أما داخل المستطيل الأخضر، فقد قدم المنتخب درسًا في الانضباط والإصرار. لم يعتمد فقط على المهارة الفردية وإنما على العمل الجماعي والالتزام التكتيكي، وهو ما يؤكد أن المنتخبات الكبيرة لا تبنى بالنجوم وحدهم، بل بعقلية تؤمن بأن كل لاعب مسؤول عن نجاح الفريق بأكمله.


ولعل أهم ما كشفت عنه المباراة أن الرياضة ما زالت إحدى أقوى أدوات القوة الناعمة للدولة. فصورة الجماهير المصرية وهي تحتفل، وتساند منتخبها، وتلتف حول علمها، تحمل رسالة إلى العالم بأن هذا الشعب، مهما اختلفت آراؤه في تفاصيل الحياة، فإنه يتوحد فور أن تصبح مصر هي القضية.


كما أن هذا المشهد يعيد التأكيد على قيمة الاستثمار في الرياضة، ليس فقط لصناعة البطولات، وإنما لصناعة الانتماء. فالرياضة الناجحة تخلق أجيالًا تؤمن بالعمل الجماعي، وتحترم المنافسة، وتتعلم أن الوصول إلى الإنجاز يحتاج إلى صبر وتدريب وتضحية، وهي قيم يحتاجها المجتمع في كل المجالات، وليس في الملاعب فقط.



ومن زاوية أخرى، فإن ردود الفعل الشعبية بعد المباراة تستحق الدراسة إعلاميًا واجتماعيًا. فقد أثبتت وسائل التواصل الاجتماعي، رغم ما تحمله أحيانًا من انقسامات قدرتها أيضًا على نقل مشاعر الفرح الجماعي بصورة عفوية، لتتحول إلى مساحة يحتفل فيها الملايين بإنجاز يحمل اسم وطنهم. وهنا يتجلى الدور الحقيقي للإعلام الرياضي، الذي ينبغي أن يكون وسيلة لبناء الروح الوطنية، لا لإشعال التعصب أو صناعة الخلاف.


إن المنتخب الوطني لا يمثل أحد عشر لاعبًا فقط، بل يمثل أكثر من مائة مليون حلم، ولذلك فإن كل نجاح يحققه يصبح نجاحًا يشعر به المواطن البسيط قبل المسؤول، والطفل قبل الشيخ. ولهذا كانت فرحة المصريين بالمباراة أكبر من مجرد نتيجة؛ لأنها أعادت إليهم الإحساس بأن هناك ما يجمعهم، وما يستحق أن يلتفوا حوله بكل الحب والفخر.



وفي النهاية، قد تنتهي المباراة، وقد تتغير النتائج في اللقاءات المقبلة، لكن ما يبقى هو تلك الصورة التي لا تُنسى: شعب كامل يهتف باسم مصر، ويؤمن بأن العلم الذي يرفرف في المدرجات هو العنوان الحقيقي لكل انتصار.


ففي بعض الأحيان، لا يكون الفوز هو أجمل ما في المباراة… بل تكون أجمل انتصاراتها أنها أعادت شعبًا بأكمله إلى لغة الفرح.

google-playkhamsatmostaqltradentX