ما وراء المشهد
بقلم : دكتورة إيناس عمر الصاوي
مدير عام التبادل الثقافي والنشر الأجنبي والترجمة
في كل جريمة قتل، هناك ضحية تسقط على الأرض
لكن هناك ضحية أخرى تسقط في وجدان المجتمع كله.
فحين تُقتل امرأة بسيطة كانت تسعى وراء رزقها اليومي، لا نتوقف فقط أمام مشهد جنائي مؤلم، بل أمام سؤال أكبر وأكثر إزعاجًا: ماذا يحدث في مجتمعاتنا حتى تصبح حياة الإنسان بهذا القدر من الهشاشة؟
لقد اعتدنا أن نقرأ أخبار الحوادث في عجالة، ثم ننتقل إلى خبر آخر، وكأن الدم أصبح مجرد رقم يضاف إلى إحصائية جديدة. غير أن بعض الجرائم ترفض أن تمر مرور الكرام، لأنها لا تكشف عن مأساة فردية فحسب
بل تفضح خللًا أعمق في منظومة القيم التي يفترض أن تحكم العلاقات بين البشر.
إن أخطر ما في أي جريمة ليس الفعل ذاته فقط، بل اللحظة التي يسبق فيها الفعل انهيار الضمير. فالجريمة لا تبدأ عند رفع اليد أو استخدام السلاح، وإنما تبدأ عندما يفقد الإنسان إحساسه بإنسانية الآخر، وعندما يتوهم أن الغضب يمنحه حق الإيذاء، أو أن القوة تمنحه حق السيطرة، أو أن مكانته الاجتماعية تمنحه حق الاستعلاء.
لقد جاءت الأديان كلها لتؤكد قيمة واحدة لا يجوز المساس بها: حرمة النفس البشرية. يقول الله تعالى:
“من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا”
إنها رسالة واضحة بأن الاعتداء على إنسان واحد ليس جريمة فردية فحسب، بل اعتداء على المجتمع بأسره.
وإذا كان القانون يعاقب الجريمة بعد وقوعها، فإن التربية الحقيقية تمنعها قبل أن تولد. فالأطفال الذين يتعلمون احترام الإنسان أيًا كان موقعه أو مهنته أو طبقته الاجتماعية، يكبرون وهم يدركون أن الكرامة الإنسانية لا تُقاس بالمال ولا بالنفوذ. أما حين تغيب هذه القيم، فإن المجتمع يصبح أكثر عرضة للعنف والقسوة وفقدان الرحمة.
إن بائعة الشاي، أو العامل البسيط، أو البائع الجائل
أو أي إنسان يسعى إلى لقمة عيشه بشرف، يستحق الاحترام ذاته الذي يستحقه صاحب المنصب الكبير
أو الثروة الضخمة. فالقيمة الحقيقية للإنسان ليست فيما يملك، بل في كونه إنسانًا.
ولعل المأساة الأكبر أن بعض الجرائم تكشف عن اتساع الفجوة بين التقدم المادي والتقدم الأخلاقي. فقد نبني المدن الحديثة، ونمتلك أحدث وسائل التكنولوجيا، لكن المجتمع الذي يفقد الرحمة والاحترام المتبادل يظل مهددًا من الداخل مهما بلغت درجة تطوره.
إننا بحاجة إلى مراجعة شاملة لخطابنا التربوي والثقافي والإعلامي. بحاجة إلى أن نعيد تعليم أبنائنا أن القوة ليست في البطش، بل في ضبط النفس، وأن الرجولة ليست في إخافة الآخرين، بل في حمايتهم، وأن الإنسان يظل إنسانًا مهما كان موقعه الاجتماعي.
رحلت الضحية، لكن السؤال باقٍ: كيف نحول دون تكرار المأساة؟
الإجابة لا تكمن في العقوبات وحدها، ولا في الخطب المؤقتة التي تعقب الحوادث، بل في بناء ضمير حي يسبق القانون، ويجعل الإنسان يتراجع عن الخطأ لأنه يدرك قبحه، لا لأنه يخشى العقاب فقط.
فالمجتمعات لا تُقاس بعدد أبراجها وطرقها الحديثة وإنما تُقاس بمقدار ما تمنحه من قيمة للإنسان.



