مسامير
بقلم : د . ضياء الرفاعي
لايف كوتشينج أخصائي تطوير الذات
طول ما أنت عايش في الدنيا هيظهر لك شوية مسامير. مسامير صغيرة ممكن ما تشوفهاش في الأول، لكن مع مرور الوقت تبدأ تكبر واحدة واحدة، لحد ما تبقى مسمارًا كبيرًا ومؤثرًا في حياتك.
نبدأ بمسامير الحياة الشخصية. وأنت صغير، أول مسمار بيقابلك بيكون في البيت، من أبوك وأمك. عند أول خطأ، بيكون الرد سريعًا: «عيب عليك... ما ينفعش كده، أنت كبرت». وهنا تقف متعجبًا، فأنت ما زلت طفلًا في الحضانة، وما زلت تتعلم خطواتك الأولى في الحياة، لكن رغم ذلك تُطالب بتحمل المسؤولية.
يبدأ الأمر بطلبات بسيطة في ظاهرها، مثل الاهتمام بالأخ الأصغر أو الالتزام بالهدوء أمام الضيوف، ثم تتحول هذه المطالب تدريجيًا إلى مسؤوليات أكبر، وكأن الطفولة رفاهية لا يحق لك الاستمتاع بها.
ومع الانتقال إلى مرحلة الشباب، تبدأ المسامير في التكاثر، وتزداد المسؤوليات، وتتسع دائرة المراقبة من حولك. الأب والأم، والأقارب، والجيران، كلهم يراقبون خطواتك وتحركاتك. تشعر وكأنك واقف تحت عدسة مكبرة طوال الوقت، تُحاسب على كل كلمة، وكل قرار، وحتى على رغبتك في أن تمنح نفسك بعض الراحة أو الاهتمام.
ثم تكبر أكثر، وتظهر مسامير جديدة. تنتهي من دراستك لتجد نفسك أمام السؤال الأشهر والأكثر إزعاجًا: «لقيت شغل ولا لسه؟». يتكرر السؤال مرات لا تُحصى، وكأن قيمة الإنسان كلها أصبحت مرتبطة بإجابة واحدة. وكأن سنوات التعلم والاجتهاد لا تساوي شيئًا أمام هذا السؤال الذي يلاحقك في كل مناسبة.
وعندما تجد العمل أخيرًا، لا تنتهي المسامير، بل تبدأ مرحلة جديدة منها. تظهر مسامير المعارف والزملاء، وتبدأ المقارنات المعتادة. لماذا حصل هذا الشخص على الوظيفة بسرعة؟ وكيف وصل إلى هذا المنصب؟ لا بد أن وراءه واسطة أو حظًا استثنائيًا. وهكذا تجد نفسك محاصرًا بمقارنات لا تنتهي، وأحكام تُطلق عليك دون معرفة حقيقية بظروفك أو مجهودك.
وبعد ذلك يأتي مسمار آخر مختلف، لأنه يأتي من الأعلى مباشرة؛ إنه مسمار المدير. ذلك الشخص الذي وافق على تعيينك، لكنه في الوقت نفسه يخشى أن يكون قد أخطأ في اختياره. لذلك يبقيك دائمًا تحت الضغط والمراقبة، وكأنك في اختبار مستمر لا ينتهي، مطلوب منك فيه أن تثبت كفاءتك كل يوم من جديد.
لكن رغم كل هذه المسامير، يبقى هناك مسمار واحد هو الأخطر والأعمق تأثيرًا من الجميع، وهو مسمار النفس. فالنفس كثيرًا ما تدفع صاحبها إلى البحث عن رضا الجميع وإلى السعي لأن يكون محبوبًا من الأقارب والزملاء والمدير وكل من حوله.
غير أن الحقيقة التي يكتشفها الإنسان مع الوقت هي أن إرضاء الجميع أمر مستحيل. فالحياة مليئة بالقرارات الصعبة، والتنازلات التي تحتاج إلى حساب دقيق. وقد تجد نفسك مضطرًا لاتخاذ قرار يحافظ على مستقبلك المهني أو ينسجم مع قناعاتك، حتى لو أغضب بعض الأشخاص من حولك.
لذلك، كن واعيًا بكل مسمار يقابلك في طريقك. لا تخف من السير في طريق قد يجعلك غير محبوب عند البعض اليوم، إذا كان سيجعلك محترمًا غدًا. فالدنيا بالفعل مليئة بالمسامير، لكن الذكاء الحقيقي لا يكمن في الهروب منها، بل في القدرة على التعامل معها، دون أن تسمح لها بأن تكسرك أو تؤثر في مسارك.

