recent
أخبار ساخنة

الكاتب عماد الدين محمد | يكتب | مصر بين الكرم الوطني وواجب الاحترام المتبادل


بقلم : عماد الدين محمد

شهدت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام خلال الفترة الماضية تداول عدد من الوقائع التي أثارت حالة من الجدل والاستياء بين المواطنين، من بينها مشادات داخل وسائل النقل العامة، وتصرفات فردية اعتبرها البعض تجاوزًا في حق المواطنين المصريين، فضلًا عن وقائع جنائية نُسبت إلى بعض الوافدين والمقيمين.


ففي أحد المشاهد المتداولة، نشب خلاف داخل مترو الأنفاق بعدما اعترضت سيدة مصرية على تصرف غير لائق من إحدى الوافدات، لتتطور الواقعة إلى ردود أثارت غضب المتابعين. 



وفي مشهد آخر، جرى تداول مقطع مصور لسلوك عدائي داخل إحدى عربات المترو. كما انتشرت مقاطع أخرى تتعلق بوقائع سرقة أو حوادث مختلفة نُسبت إلى أفراد من جنسيات غير مصرية.


ورغم أن هذه الوقائع تظل أحداثًا فردية لا يجوز تعميمها على فئات أو جنسيات بأكملها، فإنها أعادت إلى الواجهة نقاشًا مهمًا يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة المضيفة والوافدين إليها، وحدود الحقوق والواجبات المتبادلة بين الطرفين.



وعلى مدار تاريخها الممتد لآلاف السنين، كانت مصر وستظل أرض الحضارة والتسامح والإنسانية، وملاذًا آمنًا لكل من ضاقت به السبل أو أجبرته الظروف على مغادرة وطنه. 


وقد استقبلت الدولة المصرية عبر عقود طويلة ملايين الوافدين واللاجئين من مختلف الجنسيات، ووفرت لهم بيئة آمنة ومستقرة، وأتاحت لهم فرص التعليم والعلاج والعمل والحياة الكريمة.


وخلال السنوات الأخيرة، استقبلت مصر أعدادًا كبيرة من اللاجئين والمقيمين القادمين من دول عانت الحروب والصراعات والاضطرابات الاقتصادية. ولم يكن ذلك من باب المصلحة الضيقة، بل انطلاقًا من التزام إنساني وأخلاقي راسخ في وجدان الدولة والشعب المصري اللذين تقاسما مع الوافدين موارد وفرصًا وخدمات في ظل ظروف اقتصادية عالمية صعبة.



ومن الإنصاف التأكيد على أن غالبية هؤلاء اللاجئين والمقيمين يكنّون لمصر وشعبها كل الاحترام والتقدير، ويعبرون باستمرار عن امتنانهم لما وجدوه من أمن واستقرار وفرصة لإعادة بناء حياتهم. 


ولذلك فإن أي تصرفات سلبية تصدر عن قلة محدودة لا ينبغي أن تكون سببًا في إصدار أحكام عامة أو تحميل الجميع مسؤولية أخطاء أفراد.

لكن في الوقت نفسه، فإن الكرم لا يعني التفريط في الكرامة، والتسامح لا يعني قبول الإساءة. 


فكما يتمتع الوافد أو اللاجئ بحقوق تكفل له حياة آمنة وكريمة، فإن عليه واجبات قانونية وأخلاقية تجاه الدولة التي استضافته والمجتمع الذي احتضنه.

وتؤكد التجارب الدولية أن احترام قوانين الدولة المضيفة ومؤسساتها وشعبها يمثل قاعدة أساسية لا تقبل الجدل. ففي مختلف دول العالم، تُعد الإساءة إلى المجتمع أو التحريض على الكراهية أو مخالفة القوانين أمورًا تستوجب المساءلة القانونية، وقد تصل العقوبات في بعض الحالات إلى إلغاء الإقامة أو الترحيل وفقًا للتشريعات المعمول بها.



إن الاختلاف في الرأي حق مكفول للجميع، والنقد الموضوعي حق مشروع، لكن هناك فارقًا واضحًا بين إبداء الرأي وبين الإساءة أو التطاول أو التقليل من شأن الوطن الذي وفر الحماية والاستقرار لمن فقدهما. فالعلاقة الصحية بين الدولة المضيفة والوافدين يجب أن تُبنى على الاحترام المتبادل والتقدير المتبادل والالتزام بالقانون.


ومن هنا، فإن أي تجاوز أو إساءة متعمدة ضد الدولة المصرية أو شعبها أو مؤسساتها ينبغي أن يُواجه بحزم في إطار القانون، دون إفراط أو تفريط، وبما يحفظ هيبة الدولة وحقوق المواطنين ويصون في الوقت ذاته حقوق المقيمين واللاجئين الملتزمين بالقانون.


كما أن الحفاظ على كرامة المواطن المصري وهيبة الدولة يتطلب موقفًا واضحًا من جميع الجهات المعنية، سواء الأمنية أو القضائية أو الدبلوماسية، تجاه أي مخالفة 

أو تحريض أو إساءة تستهدف أمن المجتمع أو وحدته

 أو استقراره، مع تطبيق القانون على الجميع دون تمييز أو استثناء.



لقد أثبتت مصر في أصعب الظروف أنها دولة تتحمل مسؤولياتها الإنسانية بكل شرف، وفتحت أبوابها لمن احتاج إلى الأمان والاستقرار. 

ولذلك فإن أقل ما تستحقه من الجميع هو الاحترام والتقدير والالتزام بقوانينها وقيم مجتمعها.


إن العلاقة السليمة بين الدولة المضيفة والوافدين لا تقوم فقط على منح الحقوق، بل أيضًا على أداء الواجبات واحترام الخصوصية الوطنية للمجتمع المضيف. فمصر لم تكن يومًا ضد ضيف أو لاجئ أو مقيم يحترم قوانينها وشعبها، لكنها في الوقت ذاته لن تقبل أي تجاوز يمس كرامتها أو أمنها أو استقرارها.



وستظل مصر، كما كانت دائمًا، وطنًا كبيرًا بقيمه وحضارته وشعبه، تمد يدها لكل محتاج، وتفتح أبوابها لكل من يبحث عن الأمان، لكنها تنتظر في المقابل الاحترام والتقدير والوفاء، وهي أقل حقوق وطن احتضن الملايين وشاركهم الأمن والاستقرار في أصعب الأوقات.

تحيا مصر قوية بشعبها العظيم، عزيزة بكرامتها، راسخة بمؤسساتها، شامخة بتاريخها وحضارتها، وحفظ الله مصر وأهلها من كل سوء.

google-playkhamsatmostaqltradentX